إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية،التي لا تهتدي بهدى اللّه،فتستقيم على طريق ..رسم يصور تقلبها،وضعفها،ومراءها،وحبها للخير،وجحودها للنعمة،واغترارها بالسراء،وجزعها من الضراء ..رسم دقيق عجيب ..
هذا الإنسان لا يسأم من دعاء الخير.فهو ملح فيه،مكرر له،يطلب الخير لنفسه ولا يمل طلبه.وإن مسه الشر.مجرد مس.فقد الأمل والرجاء وظن أن لا مخرج له ولا فرج،وتقطعت به الأسباب وضاق صدره وكبر همه ويئس من رحمة اللّه وقنط من رعايته.ذلك أن ثقته بربه قليلة،ورباطه به ضعيف! وهذا الإنسان إذا أذاقه اللّه منه رحمة بعد ذلك الضر،استخفته النعمة فنسي الشكر واستطاره الرخاء فغفل عن مصدره.وقال:هذا لي.نلته باستحقاقي وهو دائم علي! ونسي الآخرة واستبعد أن تكون «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً» ..وانتفخ في عين نفسه فراح يتألى على اللّه،ويحسب لنفسه مقاما عنده ليس له،وهو ينكر الآخرة فيكفر باللّه.ومع هذا يظن أنه لو رجع إليه كانت له وجاهته عنده! «وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى » ! وهو غرور ..عندئذ يجيء التهديد في موضعه لهذا الغرور: «فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا،وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ» ..
وهذا الإنسان إذا أنعم اللّه عليه:استعظم وطغى.وأعرض ونأى بجانبه.فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى،ويصغر ويتضاءل،ويتضرع ولا يمل الضراعة.فهو ذو دعاء عريض! أية دقة،وأي تسجيل للصغيرة في نفس الإنسان والكبيرة! إنه خالقه الذي يصفه.خالقه الذي يعرف دروب نفسه.ويعرف أنها تظل تدور في هذه الدروب المنحنية،إلا أن تهتدي إلى الطريق المستقيم ..فتستقيم ..
وأمام هذه النفس العارية من كل رداء،المكشوفة من كل ستار،يسألهم:فماذا أنتم إذن صانعون إن كان هذا الذي تكذبون به،من عند اللّه،وكان هذا الوعيد حقا وكنتم تعرضون أنفسكم لعاقبة التكذيب والشقاق: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ؟ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ؟» ..
إنه احتمال يستحق الاحتياط.فماذا أخذوا لأنفسهم من وسائل الاحتياط؟!
ويدعهم بعدئذ يفكرون ويحسبون.ويتجه إلى الكون العريض.يكشف عن بعض ما قدر فيه - وفي ذوات أنفسهم - من مقادير: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ.أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ» ..