أوزارهم على ظهورهم وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الآخرة،وأخذهم للصفقة الخاسرة! مشهد وراء مشهد،وكل مشهد يزلزل القلوب،ويخلخل المفاصل،ويهز الكيان،ويفتح العين والقلب - عند من يشاء اللّه أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والكتاب الذي يكذبون به بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم!
«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ،الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» ..
لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن أو لصحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتنزيل هذا القرآن عليه من عند اللّه ..تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم،عند ما كانوا يقفون من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء (وكان هذا غالبا في المدينة) أو في مواجهة المشركين من العرب لتعريفهم أن أهل الكتاب،الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية،يعرفون هذا القرآن،ويعرفون صدق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله.
وهذه الآية - كما رجحنا - مكية.وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه،يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم،فهم لا يؤمنون.شأنهم في هذا شأن المشركين،الذين خسروا أنفسهم،فلم يدخلوا في هذا الدين! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين.مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة ..وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» ..على أنهم يعرفون أنه منزل من عند اللّه حقا أو على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسول من عند اللّه حقا،يوحى إليه بهذا القرآن ..وهذا جانب من مدلول النص فعلا،ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذا الدين فيه - أن هناك جانبا آخر من مدلول النص لعل اللّه - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة،ليستقر في وعيها على مدار التاريخ،وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين ..
إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند اللّه ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ومن خير وصلاح ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها وبالأخلاق التي تنبثق منها وبالنظام الذي يقوم عليها.ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين! ..إنهم يعرفون ما فيه من حق،ويعرفون ما هم فيه من باطل ..ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها،وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم،لا يمكن أن يهادنها هذا الدين،أو يبقي عليها ..وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض،ويستعلي