علم اللّه المطلق،وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود.والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة،إنما وهب منها بقدر محيطه وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض،ويحقق فيها ما شاء اللّه أن يحققه،في حدود علمه القليل.
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدري ما هو،ولا كيف جاء،ولا كيف يذهب،ولا أين كان ولا أين يكون،إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل.
وما جاء في التنزيل هو العلم المستيقن،لأنه من العليم الخبير.ولو شاء اللّه لحرم البشرية منه،وذهب بما أوحى إلى رسوله،ولكنها رحمة اللّه وفضله.
«وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ،ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا.إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ،إِنَّ فَضْلَهُ،كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا» ..واللّه يمتن على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الفضل.فضل إنزال الوحي،واستبقاء ما أوحى به إليه المنة على الناس أكبر،فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة،أجيالا بعد أجيال.
وكما أن الروح من الأسرار التي اختص اللّه بها فالقرآن من صنع اللّه الذي لا يملك الخلق محاكاته،ولا يملك الإنس والجن - وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي - أن يأتوا بمثله،ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة: «قُلْ:لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» ..
فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها.إنما هو كسائر ما يبدعه اللّه يعجز
المخلوقون أن يصنعوه.هو كالروح من أمر اللّه لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل،وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره.
والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل.منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها،والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها.ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة،ويعالج الجماعة المتشابكة،بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها ومنحنياتها الكثيرة.
يعالجها علاجا متكاملا متناسق الخطوات في كل جانب،في الوقت الواحد،فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة.لأن مشرع هذه القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة.
أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور الإنسان وملابسات حياته.ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت الواحد وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز