فهرس الكتاب
بالحق،ولو كان السيف على رقابهم كما يقولون! ولعله يشير بهذا إلى قصة عاد.وقولهم حين رأوا سحابة الموت والدمار: «عارِضٌ مُمْطِرُنا» ..حيث كان الرد: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ:رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها» ..
وعند هذا الحد من تصوير عنادهم ومكابرتهم في الحق،ولو كان فوق رؤوسهم الهلاك،يتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لينفض يده من أمرهم،ويدعهم لليوم الذي ورد ذكره ووصفه في أول السورة.وللعذاب الذي ينتظرهم من قبله.وأن يصبر لحكم ربه الذي يعزه ويرعاه ويكلؤه.وأن يسبح بحمد ربه في الصباح حين يقوم،ومن الليل،وعند إدبار النجوم: «فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ.يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا،وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ.وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ» ..وهو شوط جديد في الحملة يبدأ بالتهديد،بذلك اليوم الرعيب،يوم ينفخ في الصور فيصعقون.- قبيل البعث والنشور - يوم لا ينفعهم تدبير ولا ينصرهم نصير.فإذا كانوا اليوم يكيدون ويدبرون،فهم في ذلك اليوم لا يغني عنهم كيد ولا تدبير.على أن لهم قبل ذلك اليوم عذابا - يتركه مجهولا ولكن أكثرهم لا يعلمون.
ويفرغ بهذا التهديد الأخير من أمر المكذبين الظالمين،الذين طاردهم هذه المطاردة الطويلة العنيفة،لينتهي بهم إلى موقف المهدد الذي ينتظره العذاب من بعيد ومن قريب ..يفرغ منه ليلتفت إلى النبي الكريم الذي تطاول عليه المتطاولون،وتقوّل عليه المتقولون،يلتفت إليه - صلى الله عليه وسلم - يوجهه إلى الصبر على هذا العناء.وهذا التكذيب،وهذا التطاول والصبر على طريق الدعوة الشاق الطويل.تاركا الأمر لحكم اللّه يفعل به ما يشاء: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» ..ومع التوجيه إلى الصبر إيذان بالإعزاز الرباني،والعناية الإلهية،والأنس الحبيب الذي يمسح على مشقات الطريق مسحا،ويجعل الصبر عليها أمرا محببا،وهو الوسيلة إلى هذا الإعزاز الكريم: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» ..
ويا له من تعبير! ويا له من تصوير! ويا له من تقدير! إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان.هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله.حتى بين التعبيرات المشابهة.
لقد قيل لموسى عليه السلام: «وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى » ..وقيل له: «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» ..وقيل له: «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» ..وكلها تعبيرات تدل على مقامات رفيعة.ولكنه قيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» وهو تعبير فيه إعزاز خاص،وأنس خاص.وهو يلقي ظلا فريدا أرق وأشف من كل ظل ..ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص.فحسبنا أن نشير إلى ظلاله،وأن نعيش في هذه الظلال.ومع هذا الإيناس هداية إلى طريق الصلة الدائمة به: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ.وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ» ..فعلى مدار اليوم.عند اليقظة