ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية،التي تباع فيها أسرار الدولة،وتقع فيها الخيانة للأمة،في مقابل شهوة أو شذوذ ..وهي طلائع لا تخطىء على نهاية المطاف!
وليس هذا كله إلا بداية الطريق ..عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ،فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} . [1] .
غير أنه ينبغي،مع ذلك،التنبيه إلى أن سنة اللّه في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) ..ثم يقذف اللّه بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ..فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة اللّه بلا عمل منهم ولا كد.فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق،ولا يكونون أهله ..وهم كسالى قاعدون ..والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية اللّه في الأرض،وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية ..هذا هو الحق الأول،والحق الأصيل .. «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» ..
بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين باللّه،أمام بأس اللّه،في ذوات أنفسهم،في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم،وهم عاجزون عن رده،وهم لا يجدون كذلك إلها غير اللّه،يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها اللّه منهم: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ،مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!» ..
وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس اللّه من جانب،كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون اللّه في موقف الجد من جانب ..ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق ..إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد،وما وراءه من حق ..أنها تدرك أن اللّه قادر على أن يفعل بها هذا.قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار،وأن يختم على القلوب،فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها.وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه ..
وفي ظلال هذا المشهد،الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال،ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك،وضلال اتخاذ الأولياء من دون اللّه ..في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات،وينوعها،ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفه إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه! «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ،ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!» ..
وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف! المعروف عند العرب،والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف [2] ! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف! وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (5 / 890) (17311) 17444- حسن لغيره
(2) - يراجع بتوسع:فصل: «التخييل الحسي والتجسيم» وفصل: «طريقة القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )