هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا،فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) [1] .
وسنلاحظ أن علاج القرآن لهذا التساؤل ولتلك الفتنة يشي بضخامة آثار تلك الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم في ذلك الحين ..والذي يظهر من صيغة التعبير هنا: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ:ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها؟» .
أن هذا كان تمهيدا لإعلان تحويل القبلة في المقطع التالي في هذا الدرس،وأخذا للطريق على الأقاويل والتساؤلات التي علم اللّه أن السفهاء سيطلقونها ..أو كان ردا عليها بعد إطلاقها،- كما جاء في الحديث السابق - اتخذ هذه الصيغة للإيحاء بأن ما قالوه كان مقدرا أمره،ومعروفة خطته،ومعدة إجابته.وهي طريقة من طرق الرد أعمق تأثيرا.
وهو يبدأ في علاج آثار هذا التساؤل،والرد عليه بتلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يواجههم به،ويقرّ به الحقيقة في نصابها وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور.
«قُلْ:لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ،يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..إن المشرق للّه والمغرب للّه.فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه.فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها.إنما يفضلها ويخصصها اختيار اللّه وتوجيهه ..واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.فإذا اختار لعباده وجهة،واختار لهم قبلة،فهي إذن المختارة.وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم ..
بذلك يقرر حقيقة التصور للأماكن والجهات،وحقيقة المصدر الذي يتلقى منه البشر التوجهات،وحقيقة الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه إلى اللّه في كل حال.
ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون،وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض،وعن مكانها العظيم في هذه البشرية،وعن دورها الأساسي في حياة الناس مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة،وشخصيتها الخاصة وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا،لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ،وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» ..
إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا،فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها،وتقول:هذا حق منها وهذا باطل.لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها.وهي شهيدة على الناس،وفي مقام الحكم العدل بينهم ..وبينما هي تشهد على الناس هكذا،فإن الرسول هو
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (40 )