فهرس الكتاب

الصفحة 1396 من 4997

والسياق القرآني يعرض هذه الحقيقة في مشهد تصويري من «مشاهد القيامة» التي يعرضها القرآن الكريم عرضا حيا ناطقا،موحيا مؤثرا،عميق التأثير،يهتز له الكيان البشري وهو يتلقاه كأنما يشهده اللحظة في الواقع المنظور.الواقع الذي تراه العين،وتسمعه الأذن.وتتجلى فيه الانفعالات والسمات النابضة بالحياة [1] فها نحن أولاء أمام المشهد العظيم: « يوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ » :يوم يجمع اللّه الرسل الذين فرقهم في الزمان فتتابعوا على مداره وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته وفرقهم في الأجناس فمضى كل إلى قومه ..يدعون كلهم بدعوة واحدة على اختلاف الزمان والمكان والأقوام حتى جاء خاتمهم - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة الواحدة لكل زمان ومكان وللناس كافة من جميع الأجناس والألوان ..

هؤلاء الرسل إلى شتى الأقوام،في شتى الأمكنة والأزمان ..ها هو ذا مرسلهم فرادى،يجمعهم جميعا ويجمع فيهم شتى الاستجابات،وشتى الاتجاهات.وها هم أولاء ..نقباء البشرية في حياتها الدنيا ومعهم رسالات اللّه إلى البشرية في شتى أرجائها،ووراءهم استجابات البشرية في شتى أعصارها.هؤلاء هم أمام اللّه ..رب البشرية - سبحانه - في مشهد يوم عظيم.

وها هو ذا المشهد ينبض بالحياة: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ.فَيَقُولُ:ماذا أُجِبْتُمْ؟» .

«ما ذا أُجِبْتُمْ؟» ..فاليوم تجمع الحصيلة،ويضم الشتات،ويقدم الرسل حساب الرسالات،وتعلن النتائج على رؤوس الأشهاد. «ما ذا أُجِبْتُمْ؟» .والرسل بشر من البشر لهم علم ما حضر،وليس لديهم علم ما استتر.لقد دعوا أقوامهم إلى الهدى فاستجاب منهم من استجاب،وتولى منهم من تولى ..وما يعلم الرسول حقيقة من استجاب إن كان يعرف حقيقة من تولى.فإنما له ظاهر الأمر وعلم ما بطن للّه وحده ..وهم في حضرة اللّه الذي يعرفونه خير من يعرف والذي يهابونه أشد من يهاب والذي يستحيون أن يدلوا بحضرته بشيء من العلم وهم يعلمون أنه العليم الخبير ..إنه الاستجواب المرهوب في يوم الحشر العظيم،على مشهد من الملأ الأعلى،وعلى مشهد من الناس أجمعين.

الاستجواب الذي يراد به المواجهة ..مواجهة البشرية برسلها ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة برسلهم الذين كانوا يكذبونهم.ليعلن في موقف الإعلان،أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءو هم من عند اللّه بدين اللّه وها هم أولاء مسؤولون بين يديه - سبحانه - عن رسالاتهم وعن أقوامهم الذين كانوا من قبل يكذبون.

أما الرسل فهم يعلنون أن العلم الحق للّه وحده وأن ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلوا به في حضرة صاحب العلم،تأدبا وحياء،ومعرفة بقدرهم في حضرة اللّه: «قالُوا:لا عِلْمَ لَنا.إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» .

الدرس الثاني:110 - 111 تقرير عيسى عليه السلام ببعض نعم الله عليه

(1) - يراجع كتاب: «مشاهد القيامة في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت