عاقبة هذا الشذوذ القذر المريض.عندئذ تدخلت يد القدرة،وتحرك الملائكة لأداء ما كلفوه وجاءوا من أجله: «فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ» فلم يعودوا يرون شيئا ولا أحدا ولم يعودوا يقدرون على مساورة لوط ولا الإمساك بضيفه! والإشارة إلى طمس أعينهم لا ترد إلا في هذا الموضع بهذا الوضوح.ففي موضع آخر ورد: «قالُوا:يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ» ..فزاد هنا ذكر الحالة التي صارت تمنعهم من أن يصلوا إليه.وهي انطماس العيون! وبينما السياق يجري مجرى الحكاية،إذا به حاضر مشهود،وإذا الخطاب يوجه إلى المعذبين: «فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ» ..فهذا هو العذاب الذي حذرتم منه،وهذه هي النذر التي تماريتم فيها! وكان طمس العيون في المساء ..في انتظار الصباح الذي قدره اللّه لأخذهم جميعا: «وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ» ..
وهو ذلك العذاب الذي عجل بذكره في السياق.وهو الحاصب الذي طهر الأرض من تلك اللوثة ومن ذلك الفساد.ومرة أخرى تتغير طريقة العرض،ويستحضر المشهد كأنه اللحظة واقع.وينادى المعذبون وهم يعانون العذاب: «فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ» !!!
ثم يجيء التعقيب المألوف،عقب المشهد العنيف: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» ؟
وتختم هذه الحلقات بحلقة خارج الجزيرة،ومصرع من المصارع المشهورة المذكورة.في إشارة سريعة خاطفة: «وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ.كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها،فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ» ..
وهكذا تختصر قصة فرعون وملئه في طرفيها:مجيء النذر لآل فرعون وتكذيبهم بالآيات التي جاءهم بها رسولهم.وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.والإشارة إلى العزة والاقتدار تلقي ظلال الشدة في الأخذ وفيها تعريض بعزة فرعون واقتداره على البغي والظلم.فقد ضاعت العزة الباطلة،وسقط الاقتدار الموهوم.وأخذه اللّه - هو وآله - أخذ عزيز حقا مقتدر صدقا.أخذهم أخذا شديدا يناسب ما كانوا عليه من ظلم وغشم وبطش وجبروت.وعلى هذه الحلقة الأخيرة على مصرع فرعون الجبار.يسدل الستار ..
والآن.وقد أسدل الستار على آخر مشهد من مشاهد العذاب والنكال.والمكذبون يشهدون ويتلقى حسهم إيقاع هذه المشاهد ..الآن والمصارع المتتالية حاضرة في خيالهم،ضاغطة على حسهم ..الآن يتوجه إليهم بالخطاب يحذرهم مصرعا كهذه المصارع.وينذرهم ما هو أدهى وأفظع: «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ أَمْ يَقُولُونَ:نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ.إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ.يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ:ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ.إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ.وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ.وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» ..