فهرس الكتاب

الصفحة 3658 من 4997

هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها.أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد.فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها.إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزا،وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود،وروعة هذا الكون وليتدبر آيات اللّه المبثوثة في تضاعيفه،المتناثرة في صفحاته وليتذكر آلاء اللّه،ويشعر برحمته ورعايته وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع اللّه،وآثار يده في أطواء الكون،وفي أغوار النفس،وفي حياة البشر،وفي أحداث التاريخ.وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس،ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة ..ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك،ويتأثر تأثر الأحياء.

والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات.يصعب تقسيمها إلى فصول متميزة الموضوعات.

فهي كلها موضوع واحد.كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري،تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث.فتأخذ على النفس أقطارها وتهتف بالقلب من كل مطلع،إلى الإيمان والخشوع والإذعان.

والسمة البارزة الملحوظة في هذه الإيقاعات هي تجميع الخيوط كلها في يد القدرة المبدعة.وإظهار هذه اليد تحرك الخيوط كلها وتجمعها وتقبضها وتبسطها،وتشدها وترخيها.بلا معقب ولا شريك ولا ظهير.ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة،وتطرد إلى ختامها ..

هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض،وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض.بلا معقب ولا شريك: «ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها،وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ،وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..

والهدى والضلال رحمة تتدفق أو تغيض: «فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .. «إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ.إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ» ..

وهذه اليد تصنع الحياة الأولى وتنشر الموتى في الحياة الآخرة: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ،فَتُثِيرُ سَحابًا،فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ،فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.كَذلِكَ النُّشُورُ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت