فهرس الكتاب

الصفحة 3517 من 4997

هذه السورة المكية نموذج آخر من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري بالعقيدة الضخمة التي جاء القرآن ليوقظها في الفطر،ويركزها في القلوب:عقيدة الدينونة للّه الأحد الفرد الصمد،خالق الكون والناس،ومدبر السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من خلائق لا يعلمها إلا اللّه.والتصديق برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر إلى اللّه.والاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب والجزاء.

هذه هي القضية التي تعالجها السورة وهي القضية التي تعالجها سائر السور المكية.كل منها تعالجها بأسلوب خاص،ومؤثرات خاصة تلتقي كلها في أنها تخاطب القلب البشري خطاب العليم الخبير،المطلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها،ومنحنياتها ودروبها،العارف بطبيعتها وتكوينها،وما يستكن فيها من مشاعر ،وما يعتريها من تأثرات واستجابات في جميع الأحوال والظروف.

وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب وبطريقة غير أسلوب وطريقة سورة لقمان السابقة.فهي تعرضها في آياتها الأولى ثم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب،منيرة للروح،مثيرة للتأمل والتدبر كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية معروضة في صفحة الكون ومشاهده وفي نشأة الإنسان وأطواره وفي مشاهد من اليوم الآخر حافلة بالحياة والحركة وفي مصارع الغابرين وآثارهم الناطقة بالعبرة لمن يسمع لها ويتدبر منطقها! كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلعها إلى ربها.وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها وتعرض صورا للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء،وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان،يشهده كل قارئ لهذا القرآن.

وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحركه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة،وإلى الخوف والخشية مرة،وإلى التطلع والرجاء مرة.وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد،وتارة بالإطماع،وتارة بالإقناع ..ثم تدعه في النهاية تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين.تدعه لنفسه يختار طريقه،وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور.

ويمضي سياق السورة في عرض تلك القضية في أربعة مقاطع أو خمسة متلاحقة متصلة:يبدأ بالأحرف المقطعة «ألف.لام.ميم» منبها بها إلى تنزيل الكتاب من جنس هذه الأحرف.ونفي الريب عن تنزيله والوحي به: «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..ويسأل سؤال استنكار عما إذا كانوا يقولون:افتراه.ويؤكد أنه الحق من ربه لينذر قومه «لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» ..

وهذه هي القضية الأولى من قضايا العقيدة:قضية الوحي وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التبليغ عن رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت