فهرس الكتاب

الصفحة 3516 من 4997

تصيبه النفس في الغداة.وهو غيب مغلق،عليه الأستار.والنفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب،لا تملك أن ترى شيئا مما وراء الستار.

وكذلك: «وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار.وإن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة،تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود،وعجزها الواضح،ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة.وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلا وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس.ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يدرون ماذا يكون غدا! بل ماذا يكون اللحظة التالية.وعندئذ تطامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع للّه.

والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة ..

رقعة فسيحة في الزمان والمكان،وفي الحاضر الواقع،والمستقبل المنظور،والغيب السحيق.وفي خواطر النفس،ووثبات الخيال:ما بين الساعة البعيدة المدى،والغيث البعيد المصدر،وما في الأرحام الخافي عن العيان.والكسب في الغد،وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول ..وموضع الموت والدفن،وهو مبعد في الظنون.

إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء.ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها،وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول ونقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة،لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد،ولا نكشف القاصي منها والدان [1] ..ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان،لأنها فوق مقدور الإنسان،ووراء علم الإنسان.تبقى خالصة للّه لا يعلمها غيره،إلا بإذن منه وإلا بمقدار. «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» وليس غيره بالعليم ولا بالخبير ..

وهكذا تنتهي السورة،كما لو كانت رحلة هائلة بعيدة الآماد والآفاق والأغوار والأبعاد.ويؤوب القلب من هذه الرحلة المديدة البعيدة،الشاملة الشاسعة،وئيد الخطى لكثرة ما طوّف،ولجسامة ما يحمل،ولطول ما تدبر وما تفكر،في تلك العوالم والمشاهد والحيوانات!

وهي بعد سورة لا تتجاوز الأربع والثلاثين آية.فتبارك اللّه خالق القلوب،ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور،وهدى ورحمة للمؤمنين ..

(1) - مقتطف من كتاب:التصوير الفني في القرآن.فصل:التناسق الفني. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت