الدين.ولقد جعلت كلمة «الحلال» وكلمة «الحرام» يتقلص ظلهما في حس الناس،حتى عاد لا يتجاوز ذبيحة تذبح،أو طعاما يؤكل،أو شرابا يشرب،أو لباسا يلبس،أو نكاحا يعقد ..فهذه هي الشئون التي عاد الناس يستفتون فيها الإسلام ليروا:حلال هي أم حرام! فأما الأمور العامة والشئون الكبيرة فهم يستفتون في شأنها النظريات والدساتير والقوانين التي استبدلت بشريعة اللّه! فالنظام الاجتماعي بجملته،والنظام السياسي بجملته،والنظام الدولي بجملته وكافة اختصاصات اللّه في الأرض وفي حياة الناس،لم تعد مما يستفتى فيه الإسلام! والإسلام منهج للحياة كلها.من اتبعه كله فهو مؤمن وفي دين اللّه.ومن اتبع غيره ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية اللّه،وخرج من دين اللّه.مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم.فاتباعه شريعة غير شريعة اللّه،يكذب زعمه ويدمغه بالخروج من دين اللّه.
وهذه هي القضية الكلية التي تعنيها هذه النصوص القرآنية،وتجعلها قضية الإيمان باللّه،أو الاعتداء على اللّه ..وهذا هو مدى النصوص القرآنية.وهو المدى اللائق بجدية هذا الدين وجدية هذا القرآن،وجدية معنى الألوهية ومعنى الإيمان ..
وفي سياق قضية التشريع بالتحريم والتحليل،وفي خط التربية للأمة المسلمة في المدينة،وتخليصها من جو
الجاهلية ورواسبها وتقاليدها الشخصية والاجتماعية ،يجيء النص القاطع الأخير في تحريم الخمر والميسر مقرونين إلى تحريم الأنصاب والأزلام.أي إلى الشرك باللّه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ،فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ،ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا،ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا،وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ..
لقد كانت الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من معالم الحياة الجاهلية،ومن التقاليد المتغلغلة في المجتمع الجاهلي.وكانت كلها حزمة واحدة ذات ارتباط عميق في مزاولتها،وفي كونها من سمات ذلك المجتمع وتقاليده ..فلقد كانوا يشربون الخمر في إسراف،ويجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها ويتكاثرون ويديرون عليها فخرهم في الشعر ومدحهم كذلك! وكان يصاحب مجالس الشراب نحر الذبائح واتخاذ الشواء منها للشاربين وللسقاة ولأحلاس هذه المجالس ومن يلوذون بها ويلتفون حولها! وكانت هذه الذبائح تنحر على الأنصاب وهي أصنام لهم كانوا يذبحون عليها ذبائحهم وينضحونها بدمها (كما كانت تذبح عليها الذبائح التي تقدم للآلهة أي لكهنتها!) ..وفي ذبائح مجالس الخمر وغيرها من المناسبات الاجتماعية التي تشبهها كان يجري الميسر عن طريق الأزلام.وهي قداح كانوا