الأقرب أن تكون كذلك من «أوسط» الكسوة ..أو «تحرير رقبة» لا ينص هنا على أنها مؤمنة ..ومن ثم يرد بشأنها خلاف فقهي ليس هذا مكانه .. «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» ..وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى ..وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي بسبب عدم النص هنا على تتابعها.والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال.فمن أرادها فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه.إذ أنها كلها تتفق على الأصل الذي يعنينا وهو أن الكفارة رد لاعتبار العقد المنقوض،وحفظ للأيمان من الاستهانة بها وهي «عقود» وقد أمر اللّه - سبحانه - بالوفاء بالعقود.فإذا عقد الإنسان يمينه وكان هناك ما هو أبرّ فعل الأبر وكفر عن اليمين.وإذا عقدها على غير ما هو من حقه كالتحريم والتحليل،نقضها وعليه التكفير.
ونعود بعد ذلك إلى الموضوع الأصيل الذي نزلت الآيات بسببه ..فأما من ناحية «خصوص السبب» فإن اللّه يبين أن ما أحله اللّه فهو الطيب،وما حرمه فهو الخبيث.وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره اللّه له.من وجهين:الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص اللّه الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق،وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه اللّه،ولا يستقيم معه إيمان ..والوجه الثاني أن اللّه يحل الطيبات،فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات،التي بها صلاحه وصلاح الحياة فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات.ولو كان اللّه يعلم فيها شرا أو أذى لوقاه عباده.ولو كان يعلم في الحرمان منها خيرا ما جعلها حلالا ..ولقد جاء هذا الدين ليحقق الخير والصلاح،والتوازن المطلق،والتناسق الكامل،بين طاقات الحياة البشرية جميعا،فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان،تعمل عملا سويا،ولا تخرج عن الجادة.ومن ثم حارب الرهبانية،لأنها كبت للفطرة،وتعطيل للطاقة وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد اللّه لها النماء،كما نهى عن تحريم الطيبات كلها لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها وتجددها ..لقد خلق اللّه هذه الحياة لتنمو وتتجدد،وترتقي عن طريق النمو والتجدد المحكومين بمنهج اللّه.والرهبانية وتحريم الطيبات الأخرى تصطدم مع منهج اللّه للحياة.
لأنها تقف بها عند نقطة معينة بحجة التسامي والارتفاع.والتسامي والارتفاع داخلان في منهج اللّه للحياة،وفق المنهج الميسر المطابق للفطرة كما يعلمها اللّه.
وخصوص السبب - بعد هذا - لا يقيد عموم النص.وهذا العموم يتعلق بقضية الألوهية والتشريع - كما أسلفنا - وهي قضية لا تقتصر على الحلال والحرام في المآكل والمشارب والمناكح.إنما هو أمر حق التشريع لأي شأن من شئون الحياة ..
ونحن نكرر هذا المعنى ونؤكده لأن طول عزلة الإسلام عن أن يحكم الحياة - كما هو شأنه وحقيقته - قد جعل معاني العبارة تتقلص ظلالها عن مدى الحقيقة التي تعنيها في القرآن الكريم وفي هذا