يدركون حقيقة القوى في هذا الكون.ولا يعرفون أين تكون المخافة وأين يكون الأمن.وإلا الخاسرون الذين لا يحسنون الاختيار لأنفسهم ولا يتقون البوار.
وعند ما يصل بهم إلى الشاطئ الآخر يجول بهم جولة أخرى في مشهد من مشاهد القيامة،يصور مغبة ما هم فيه من الشرك والغواية: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ:أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا،تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ.وَقِيلَ:ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ.فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ،وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ.«وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ:ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ.فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا،فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ» ..
والسؤال الأول للتوبيخ والتأنيب: « أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» ..واللّه يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء،وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئا،ولا يستطيعون إليهم سبيلا.
ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد.ومن ثم لا يجيب المسئولون عن السؤال،فليس المقصود به هو الجواب! إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم،وصدهم عن هدى اللّه،كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم،فيقولون: «رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ» ! ربنا إننا لم نغوهم قسرا،فما كان لنا من سلطان على قلوبهم إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واختيار،كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار. «تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ» من جريمة إغوائهم. «ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ» إنما كانوا يعبدون أصناما وأوثانا وخلقا من خلقك،ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة،ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة! عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها.مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون اللّه: «وَقِيلَ:ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ» ..
ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم! ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم! ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم! والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم،ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين: «فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ» ..ولم يكن منتظرا غير ذاك،ولكنه الإذلال والإعنات! «وَرَأَوُا الْعَذابَ» ..
رأوه في هذا الحوار.ورأوه ماثلا وراءه.فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب.
وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه،وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب:وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون: «لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ» ..ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب: « وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ،ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟»
وإن اللّه ليعلم ماذا أجابوا المرسلين.ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل.وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت.ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ» .والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة.وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم،وهم