ذلك هو الزاد الذي آتاه اللّه يحيى في صباه،ليخلف أباه كما توجه إلى ربه وناداه نداء خفيا.فاستجاب له ربه ووهب له غلاما زكيا ..
وهنا يسدل الستار على يحيى كما أسدل من قبل على زكريا.وقد رسم الخط الرئيسي في حياته،وفي منهجه،وفي اتجاهه.وبرزت العبرة من القصة في دعاء زكريا واستجابة ربه له،وفي نداء يحيى وما زوده اللّه به.
ولم يعد في تفصيلات القصة بعد ذلك ما يزيد شيئا في عبرتها ومغزاها ..
والآن فإلى قصة أعجب من قصة ميلاد يحيى.إنها قصة ميلاد عيسى.وقد تدرج السياق من القصة الأولى ووجه العجب فيها هو ولادة العاقر من بعلها الشيخ،إلى الثانية ووجه العجب فيها هو ولادة العذراء من غير بعل! وهي أعجب وأغرب.
وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق الإنسان أصلا وإنشائه على هذه الصورة،فإن حادث ولادة عيسى ابن مريم يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها كله،ويكون حادثا فذا لا نظير له من قبله ولا من بعده.
والبشرية لم تشهد خلق نفسها وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها! لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم،وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أب،على غير السنة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض،ليشهدها البشر ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تتلفت إليها الأجيال،إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان! لقد جرت بسنة اللّه التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء،حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث ..جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه الطريقة الوحيدة،ونسوا الحادث الأول.حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس.فأراد اللّه أن يضرب لهم مثل عيسى ابن مريم - عليه السلام - ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة،وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها.
ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها اللّه،وأن ينفذ الناموس الذي اختاره.وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة،وعدم احتباسها داخل حدود النواميس «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» .
ونظرا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه،فجعلت تضفي على عيسى ابن مريم - عليه السلام - صفات ألوهية،وتصوغ حول