فهرس الكتاب

الصفحة 2964 من 4997

واللّه هو الذي جعل العاقر لا تلد.وجعل الشيخ الفاني لا ينسل وهو قادر على إصلاح العاقر وإزالة سبب العقم،وتجديد قوة الإخصاب في الرجل.وهو أهون في اعتبار الناس من إنشاء الحياة ابتداء.وإن كان كل شيء هينا على القدرة:إعادة أو إنشاء.

ومع ذلك فإن لهفة زكريا على الطمأنينة تدفع به أن يطلب آية وعلامة على تحقق البشرى فعلا.فأعطاه اللّه آية تناسب الجو النفسي الذي كان فيه الدعاء وكانت فيه الاستجابة ..ويؤدي بها حق الشكر للّه الذي وهبه على الكبر غلاما ..وذلك أن ينقطع عن دنيا الناس ويحيا مع اللّه ثلاث ليال ينطلق لسانه إذا سبح ربه،ويحتبس إذا كلم الناس،وهو سوي معافى في جوارحه لم يصب لسانه عوج ولا آفة.

«قالَ:آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» ..وكان ذلك: «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» ..ذلك ليعيشوا في مثل الجو الذي يعيش فيه،وليشكروا اللّه معه على ما أنعم عليه وعليهم من بعده.

ويترك السياق زكريا في صمته وتسبيحه،ويسدل عليه الستار في هذا المشهد ويطوي صفحته ليفتح الصفحة الجديدة على يحيى يناديه ربه من الملأ الأعلى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ...» .

لقد ولد يحيى وترعرع وصار صبيا،في الفجوة التي تركها السياق بين المشهدين.على طريقة القرآن في عرضه الفني للقصص،ليبرز أهم الحلقات والمشاهد،وأشدها حيوية وحركة.

وهو يبدأ بهذا النداء العلوي ليحيى قبل أن يتحدث عنه بكلمة.لأن مشهد النداء مشهد رائع عظيم،يدل على مكانة يحيى،وعلى استجابة اللّه لزكريا،في أن يجعل له من ذريته وليا،يحسن الخلافة بعده في العقيدة وفي العشيرة.فها هو ذا أول موقف ليحيى هو موقف انتدابه ليحمل الأمانة الكبرى. «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ» ..والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل من بعد موسى،وعليه كان يقوم أنبياؤهم يعلمون به ويحكمون.وقد ورث يحيى أباه زكريا،ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم،لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة ..

وبعد النداء يكشف السياق عما زود به يحيى لينهض بالتبعة الكبرى: «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا،وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً،وَكانَ تَقِيًّا» ..فهذه هي المؤهلات التي زوده اللّه بها وأعده وأعانه على احتمال ما كلفه إياه عند ما ناداه ..آتاه الحكمة صبيا.فكان فذا في زاده،كما كان فذا في اسمه وفي ميلاده.فالحكمة تأتي متأخرة.ولكن يحيى قد زود بها صبيا.

وآتاه الحنان هبة لدنية لا يتكلفه ولا يتعلمه إنما هو مطبوع عليه ومطبوع به.والحنان صفة ضرورية للنبي المكلف رعاية القلوب والنفوس،وتألفها واجتذابها إلى الخير في رفق.

وآتاه الطهارة والعفة ونظافة القلب والطبع يواجه بها أدران القلوب ودنس النفوس،فيطهرها ويزكيها.

«وَكانَ تَقِيًّا» موصولا باللّه،متحرجا معه،مراقبا له،يخشاه ويستشعر رقابته عليه في سره ونجواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت