ولكنه هكذا يصرف ناس عن هذا الحق الواضح.هكذا كما يقع من المخاطبين الأولين بالقرآن.كذلك كان في كل زمان بلا سبب ولا حجة ولا برهان: «كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ..
وينتقل من ظاهرتي الليل والنهار،إلى تصميم الأرض لتكون قرارا،والسماء لتكون بناء: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً» ..والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها إجمالا.والسماء بناء ثابت النسب والأبعاد والحركات والدورات ومن ثم تضمن الاستقرار والثبات لحياة هذا الإنسان،المحسوب حسابها في تصميم هذا الوجود،المقدرة في بنائه تقديرا ..ويربط بتكوين السماء والأرض تكوين الإنسان ورزقه من الطيبات على النحو الذي أشرنا إلى بعض أسراره: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» ..
ويعقب على هذه الآيات والهبات كما عقب على الأولى: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ.فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» ..ذلكم الذي يخلق ويقدر ويدبر،ويراعيكم ويقدر لكم مكانا في ملكه ..ذلكم اللّه ربكم. «فَتَبارَكَ اللَّهُ» ..وعظمت بركته وتضاعفت. «رَبُّ الْعالَمِينَ» ..أجمعين.
«هُوَ الْحَيُّ» ..أجل.هو وحده الحي.الحي حياة ذاتية غير مكسوبة ولا مخلوقة.وغير مبتدئة ولا منتهية.وغير حائلة ولا زائلة.وغير متقلبة ولا متغيرة.وما من شيء له هذه الصفة من الحياة.سبحانه هو المتفرد بالحياة.وهو المتفرد بالألوهية.بما أنه المتفرد بالحياة.فالحي الواحد هو اللّه: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» .
ومن ثم .. «فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» ..واحمدوه في الدعاء: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..
وأمام هذه الآيات والهبات،وما تلاها من تعقيبات،وفي أشد اللحظات امتلاء بحقيقة الوحدانية،وحقيقة الألوهية.وحقيقة الربوبية.يجيء التلقين لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليعلن للقوم أنه منهي عن عبادة ما يدعون من دون اللّه،مأمور بالإسلام للّه رب العالمين: «قُلْ:إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ،لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي،وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» ..
أعلن لهؤلاء الذين يصرفون عن آيات اللّه ويجحدون هباته،أنك نهيت عن عبادة ما يدعون من دون اللّه.وقل لهم:إنني نهيت وانتهيت «لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي» فعندي بينة،وأنا بها مؤمن،ومن حق هذه البينة أن أقتنع بها وأصدق،ثم أعلن كلمة الحق ..ومع الانتهاء عن عبادة غير اللّه - وهو سلب - الإسلام لرب العالمين - وهو إيجاب - ومن الشقين تتكامل العقيدة.
ثم يستعرض آية من آيات اللّه في أنفسهم بعد ما استعرض آياته في الآفاق.هي آية الحياة الإنسانية وأطوارها العجيبة وليتخذ من هذه الحياة مقدمة لتقرير حقيقة الحياة كلها بين يدي اللّه:« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ،ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ،ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ،ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا،ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ،ثُمَّ لِتَكُونُوا