فهرس الكتاب

الصفحة 1792 من 4997

والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة،وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة،ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم. فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار اللّه،حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة. ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس اللّه،حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة. وربك أعلم بمن خلق،وهو اللطيف الخبير [1] ..

الدرس الثالث:101 إخبار الرسول بتعذيب الكفار السابقين وسببه

والآن - وقد انتهى السياق من بيان السنة الجارية،ولمس بها الوجدان البشري تلك اللمسات الموحية - يتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يطلعه على العاقبة الشاملة لابتلاء تلك القرى،وما تكشف عنه من حقائق عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان،ثم عن طبيعة البشر الغالبة كما تجلت في هذه الأقوام: «تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها،وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ،فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ. وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ،وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» ..

فهو قصص من عند اللّه،ما كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - به من علم،إنما هو وحي اللّه وتعليمه. «وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» ..

فلم تنفعهم البينات. وظلوا يكذبون بعدها،كما كذبوا قبلها. ولم يؤمنوا بما كانوا قد كذبوا به من قبل أن تأتيهم البينة عليه. فالبينات لا تؤدي بالمكذبين إلى الإيمان. وليست البينة هي ما كان ينقصهم ليؤمنوا.

إنما كان ينقصهم القلب المفتوح،والحس المرهف والتوجه إلى الهدى. كان ينقصهم الفطرة الحية التي تستقبل وتنفعل وتستجيب. فلما لم يوجهوا قلوبهم إلى موحيات الهدى ودلائل الإيمان طبع اللّه على قلوبهم وأغلقها،فما عادت تتلقى ولا تنفعل ولا تستجيب: «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» .. ولقد تكشفت تلك التجارب عن طبيعة غالبة: «وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ،وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» ..

والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد اللّه على فطرة البشر،الذي ورد ذكره في أواخر السورة: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ:أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا:بَلى شَهِدْنا» ..

وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل. ثم انحرفت الخلائف. كما يقع في كل جاهلية. إذ تظل الأجيال تنحرف شيئا فشيئا حتى تخرج من عهد الإيمان،وترتد إلى الجاهلية.

(1) - راجع بتوسع فصل: «خطوط متقابلة في النفس الإنسانية» في كتاب: «منهج التربية الإسلامية» وكتاب: «دراسات في النفس الإنسانية» لمحمد قطب «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت