فهرس الكتاب
الغارة الطامة الغامرة،في لحظة من لحظات الضعف والغرة والفجاءة. وما هو بناج في يقظة أو غرة. فهذه كتلك أمام بأس اللّه سواء! «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ؟» .
وتدبيره الخفي المغيب على البشر .. ليتقوه ويحذروه .. « فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» ..
فما وراء الأمن والغفلة والاستهتار إلا الخسار. وما يغفل عن مكر اللّه هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار! أفأمنوا مكر اللّه وهم يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين،الذين هلكوا بذنوبهم،وجنت عليهم غفلتهم؟ أما كانت مصارع الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم؟
«أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ،وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» ..إن سنة اللّه لا تتخلف ومشيئة اللّه لا تتوقف. فما الذي يؤمنهم أن يأخذهم اللّه بذنوبهم كما أخذ من قبلهم؟
وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدوا بعد ذلك،بل لا يستمعوا إلى دلائل الهدى،ثم ينالهم جزاء الضلال في الدنيا والآخرة .. ألا إن مصارع الخالين قبلهم،ووراثتهم لهم،وسنة اللّه الجارية .. كل أولئك كان نذيرا لهم أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب،والاستهتار السادر،والغفلة المردية وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم. عسى ألا يكون فيهم. لو كانوا يسمعون! وما يريد اللّه للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار. فالفزع الدائم من المجهول،والقلق الدائم من المستقبل،وتوقع الدمار في كل لحظة .. قد تشل طاقة البشر وتشتتها وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج وتنمية الحياة وعمارة الأرض .. إنما يريد اللّه منهم اليقظة والحساسية والتقوى،ومراقبة النفس،والعظة بتجارب البشر،ورؤية محركات التاريخ الإنساني،وإدامة الاتصال باللّه،وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة.
واللّه يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة،إذا هم أرهفوا حساسيتهم به،وإذا هم أخلصوا العبودية له وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة. فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار اللّه لا في جوار النعيم المادي المغري. وإلى الثقة بقوة اللّه لا بقوتهم المادية الزائلة. وإلى الركون إلى ما عند اللّه لا إلى ما يملكون من عرض الحياة.
ولقد سلف من المؤمنين باللّه المتقين للّه سلف ما كان يأمن مكر اللّه. وما كان يركن إلى سواه. وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان،مطمئنا بذكر اللّه،قويا على الشيطان وعلى هواه،مصلحا في الأرض بهدى اللّه،لا يخشى الناس واللّه أحق أن يخشاه.
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس اللّه الذي لا يدفع،ومن مكر اللّه الذي لا يدرك. لندرك أنه لا يدعو إلى القلق إنما يدعو إلى اليقظة،ولا يؤدي إلى الفزع إنما يؤدي إلى الحساسية،ولا يعطل الحياة إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.