هذا محكومون بالناموس مأخوذون بالسنة،يتصرف فيهم خالقهم وفق ما يريد تصرفه بباقي العبيد وهم لا يملكون إلا الخضوع والقنوت.
ثم يختم تلك الجولة الضخمة الهائلة اللطيفة العميقة بتقرير قضية البعث والقيامة التي يغفل عنها الغافلون: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..
وقد سبق في السورة تقرير البدء والإعادة،وهو يعاد هنا بعد تلك الجولة العريضة ويضاف إليه جديد:
«وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» ..وليس شيء أهون على اللّه ولا أصعب. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ:كُنْ.فَيَكُونُ» ولكنه إنما يخاطب الناس بحسب إدراكهم،ففي تقدير الناس أن بدء الخلق أصعب من إعادته،فما بالهم يرون الإعادة عسيرة على اللّه.وهي في طبيعتها أهون وأيسر؟! «وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..فهو سبحانه ينفرد في السماوات والأرض بصفاته لا يشاركه فيها أحد،وليس كمثله شيء،إنما هو الفرد الصمد.
«وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..العزيز القاهر الذي يفعل ما يريد.الحكيم الذي يدبر الخلق بإحكام وتقدير.
وعند ما تنتهي تلك الجولة التي طوف فيها القلب البشري بتلك الآفاق والآماد،والأعماق والأغوار،والظواهر والأحوال،يواجهه سياق السورة بإيقاع جديد: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ:هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ.فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ،تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» ..ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون اللّه شركاء خلقا من خلقه:جنا أو ملائكة أو أصناما وأشجارا.وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال.ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء من الاعتبار.فيبدو أمرهم عجبا.يجعلون للّه شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده.ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم.ومالهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق اللّه.وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير.
وهو يفصل لهم هذا المثل خطوة خطوة: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ» ليس بعيدا عنكم ولا يحتاج إلى رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره .. «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ؟» ..
وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شيء من الرزق فضلا على أن يساووهم فيه «تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» ..أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار،وتخشون أن يجوروا عليكم،وتتحرجوا كذلك من الجور عليهم،لأنهم أكفاء لكم وأنداد؟ هل يقع شيء من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص؟ وإذا لم يكن شيء من هذا يقع فكيف ترضونه في حق اللّه وله المثل الأعلى؟