إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود،لا بد أن يبعث اللّه عليه من يوقفه ويحطمه فاللّه لا يحب الفساد في الأرض وما لا يحبه اللّه لا بد أن يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه: «وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا،وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» ..
وفي نهاية الدرس تجيء القاعدة الإيمانية الكبرى - قاعدة أن إقامة دين اللّه في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء.لا افتراق بين دين ودنيا،ولا افتراق بين دنيا وآخرة.فهو منهج واحد للدنيا وللآخرة للدنيا وللدين ..تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة بمناسبة الحديث عن انحراف أهل الكتاب عن دين اللّه وأكلهم السحت وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الأرض ..واتباع دين اللّه كان أجدى عليهم في الأرض والسماء،وفي الدنيا والآخرة لو أنهم اختاروا الطريق: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ،وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» ..
إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي،ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية.ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل،وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم والعقل البشري،والموازين البشرية،والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج،بإزاء هذا الأمر الخطير ..
إن اللّه - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة.وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج اللّه الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله اللّه إليهم من التعاليم - كما أنزلها اللّه بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا،ونمت وفاضت عليهم الأرزاق،ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق،ووفرة النتاج وحسن التوزيع،وصلاح أمر الحياة ..ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا يقيمون منهج اللّه - إلا قلة منهم في تاريخهم الطويل مقتصدة غير مسرفة على نفسها «وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» .
وهكذا يبدو من خلال الآيتين أن الإيمان والتقوى وتحقيق منهج اللّه في واقع الحياة البشرية في هذه الحياة الدنيا،لا يكفل لأصحابه جزاء الآخرة وحده - وإن كان هو المقدّم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا،ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة ..وفرة ونماء وحسن توزيع وكفاية ..يرسمها في صورة حسية تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله: «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» ..