فهرس الكتاب
وسيأتي تفصيل هذه المعاني في ثنايا استعراض النصوص القرآنية .. فأما الآن فنكتفي باستعراض الخطوط الأساسية في السورة:
إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ:سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَالِ فَقَالَ:فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ،وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلاَقُنَا،فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا،فَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِينَا عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ:عَلَى السَّوَاءِ. [1] .
هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة وعلى خط سيرها كذلك:
لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الواقعة التي جعلها اللّه فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة! ولقد أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمهم،وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما ...
أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها. فسمى يومها: «يَوْمَ الْفُرْقانِ،يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» ..
وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما تم بتدبير اللّه وقدره،في كل خطوة وفي كل حركة،ليقضي من ورائه أمرا أراده،فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير،وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة،فكلها من فعل اللّه وتدبيره. إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله! وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير وما أراده اللّه لهم،وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير،ولقاء النفير. ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة اللّه بهم ولهم من فرق كبير! لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال وبيان حكم اللّه فيها وردها إلى اللّه والرسول ودعوتهم إلى تقوى اللّه،وإصلاح ذات بينهم - بعد ما ساءت أخلاقهم في النفل كما يقول عبادة بن الصامت - ودعوتهم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول،وتذكيرهم بإيمانهم وهذا مقتضاه. ورسم للمؤمنين صورة موحية تجف لها القلوب: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ:الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ،وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ،وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ،وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا،لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /559] (22753) 23133-و سيرة ابن هشام [1 /641] والبداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع [3 /368] حسن