فهرس الكتاب
يروى في سبب نزول هذه السورة أن قريشا اجتمعت في دار الندوة تدبر كيدها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللدعوة التي جاءهم بها.فبلغ ذلك رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاغتم له والتف بثيابه وتزمل ونام مهموما.فجاءه جبريل عليه السلام بشطر هذه السورة الأول «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ..إلخ» وتأخر شطر السورة الثاني من قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ...» إلى آخر السورة.تأخر عاما كاملا.حين قام رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وطائفة من الذين معه،حتى ورمت أقدامهم،فنزل التخفيف في الشطر الثاني بعد اثني عشر شهرا.وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك - كما سيجيء في عرض سورة المدثر إن شاء اللّه. [1]
وخلاصتها أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحنث في غار حراء - قبل البعثة بثلاث سنوات - أي يتطهر ويتعبد - وكان تحنثه - عليه الصلاة والسلام - شهرا من كل سنة - هو شهر رمضان - يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة،ومعه أهله قريبا منه.فيقيم فيه هذا الشهر،يطعم من جاءه من المساكين،ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون،وفيما وراءها من قدرة
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /255]
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ:طَلَّقْتُ امْرَأَتِى فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ لأَبِيعَ عَقَارًا كَانَ لِى بِهَا فَأَشْتَرِىَ بِهِ السِّلاَحَ وَأَغْزُوَ فَلَقِيتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا:قَدْ أَرَادَ نَفَرٌ مِنَّا سِتَّةٌ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » . فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ وِتْرِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:أَدُلُّكَ عَلَى أَعْلَمِ النَّاسِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأْتِ عَائِشَةَ رضى الله عنها. فَأَتَيْتُهَا فَاسْتَتْبَعْتُ حَكِيمَ بْنَ أَفْلَحَ فَأَبَى فَنَاشَدْتُهُ فَانْطَلَقَ مَعِى فَاسْتَأْذَنَّا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ:مَنْ هَذَا قَالَ:حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ. قَالَتْ:وَمَنْ مَعَكَ قَالَ:سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَتْ:هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ الَّذِى قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ قُلْتُ:نَعَمْ. قَالَتْ:نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرًا. قَالَ قُلْتُ:يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينِى عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَتْ:أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ قُلْتُ:حَدِّثِينِى عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ قَالَتْ:أَلَسْتَ تَقْرَأُ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) قَالَ قُلْتُ:بَلَى. قَالَتْ:فَإِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا فِى السَّمَاءِ اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَ آخِرُهَا فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ قُلْتُ:حَدِّثِينِى عَنْ وِتْرِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَتْ:كَانَ يُوتِرُ بِثَمَانِ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِى الثَّامِنَةِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَةً أُخْرَى لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِى الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَلاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِى التَّاسِعَةِ ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَىَّ فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِى السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلاَّ فِى السَّابِعَةِ ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ فَتِلْكَ هِىَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ يَا بُنَىَّ وَلَمْ يَقُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةً يُتِمُّهَا إِلَى الصَّبَاحِ وَلَمْ يَقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى لَيْلَةٍ قَطُّ وَلَمْ يَصُمْ شَهْرًا يُتِمُّهُ غَيْرَ رَمَضَانَ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا وَكَانَ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مِنَ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. قَالَ:فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ. فَقَالَ:هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْحَدِيثُ وَلَوْ كُنْتُ أُكَلِّمُهَا لأَتَيْتُهَا حَتَّى أُشَافِهَهَا بِهِ مُشَافَهَةً. قَالَ قُلْتُ:لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لاَ تُكَلِّمُهَا مَا حَدَّثْتُكَ.سنن أبي داود - المكنز [1 /512] (1344 ) وهو في مسلم
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِى الْمُزَّمِّلِ (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا نِصْفَهُ) نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِى فِيهَا ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ أَوَّلُهُ وَكَانَتْ صَلاَتُهُمْ لأَوَّلِ اللَّيْلِ يَقُولُ هُوَ أَجْدَرُ أَنْ تُحْصُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا نَامَ لَمْ يَدْرِ مَتَى يَسْتَيْقِظُ وَقَوْلُهُ (أَقْوَمُ قِيلًا) هُوَ أَجْدَرُ أَنْ يُفْقَهَ فِى الْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ (إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) يَقُولُ فَرَاغًا طَوِيلًا.سنن أبي داود - المكنز [1 /503] ( 1306 ) صحيح