فهرس الكتاب

الصفحة 4612 من 4997

مبدعة ..وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة،وتصوراتها الواهية،ولكن ليس بين يديه طريق واضح،ولا منهج محدد،ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.وكان اختياره - صلى الله عليه وسلم - لهذه العزلة طرفا من تدبير اللّه له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم.ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه،ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة ويفرغ لموحيات الكون،ودلائل الإبداع وتسبح روحه مع روح الوجود وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم.

ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى ..لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت،وانقطاع عن شواغل الأرض،وضجة الحياة،وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.

لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة.فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له،فلا تحاول تغييره.أما الانخلاع منه فترة،والانعزال عنه،والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير،ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر،ويدر به على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس،والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع! وهكذا دبر اللّه لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى،وتغيير وجه الأرض،وتعديل خط التاريخ ..دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات.ينطلق في هذه العزلة شهرا من الزمان،مع روح الوجود الطليقة،ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون،حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عند ما يأذن اللّه.

فلما أن أذن،وشاء - سبحانه - أن يفيض من رحمته هذا الفيض على أهل الأرض،جاء جبريل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في غار حراء ..وكان ما قصه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من أمره معه قالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ قَالَ عُبَيْدٌ:فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشّهْرَ مِنْ كُلّ سَنَةٍ يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ فَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - جِوَارَهُ مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَوّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ الْكَعْبَةَ،قَبْل أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا أَوْ مَا شَاءَ اللّهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ حَتّى إذَا كَانَ الشّهْرُ الّذِي أَرَادَ اللّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ مِنْ السّنَةِ الّتِي بَعَثَ اللّهُ تَعَالَى فِيهَا ؛ وَذَلِكَ الشّهْرُ ( شَهْرُ ) رَمَضَانَ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى حِرَاءٍ،كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الّتِي أَكْرَمَهُ اللّهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهَا،جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ بِأَمْرِ اللّهِ تَعَالَى .قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ قُلْت:مَا أَقْرَأُ ؟ قَالَ فَغَتّنِي بِهِ حَتّى ظَنَنْتُ أَنّهُ الْمَوْتُ ثُمّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ قُلْت:مَا أَقْرَأُ ؟ قَالَ فَغَتّنِي بِهِ حَتّى ظَنَنْت أَنّهُ الْمَوْتُ ثُمّ أَرْسَلَنِي،فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ قُلْت:مَاذَا أَقْرَأُ ؟ قَالَ فَغَتّنِي بِهِ حَتّى ظَنَنْتُ أَنّهُ [ ص 237 ] أَرْسَلَنِي،فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ فَقُلْت:مَاذَا أَقْرَأُ ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت