وأولئك الذين كانوا يواجهون عقيدة التوحيد بالشرك ويقابلون دعوة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالجدال العنيف لم يكونوا يستطيعون أن يزيفوا منطق فطرتهم حين تواجه بالدليل الكوني الممثل في وجود السماوات والأرض،وقيامهما أمام العين،لا تحتاجان إلى أكثر من النظر! ومن ثم لم يكونوا يتلجلجون في الجواب:لو سئلوا: «مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟» وجوابهم: «اللَّهُ» ..
لذلك يوجه اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليعقب على جوابهم هذا بحمد اللّه: «قُلِ:الْحَمْدُ لِلَّهِ» ..الحمد للّه على وضوح الحق في الفطرة،والحمد للّه على هذا الإقرار القهري أمام الدليل الكوني.والحمد للّه على كل حال.ثم يضرب عن الجدل والتعقيب بتعقيب آخر: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..ومن ثم يجادلون ويجهلون منطق الفطرة،ودلالة هذا الكون على خالقه العظيم.
وبمناسبة إقرار فطرتهم بخلق اللّه للسماوات والأرض يقرر كذلك ملكية اللّه المطلقة لكل ما في السماوات والأرض.ما سخره للإنسان وما لم يسخره.وهو مع ذلك الغني عن كل ما في السماوات والأرض،المحمود بذاته ولو لم يتوجه إليه الناس بالحمد: « لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» ..
والآن تختم هذه الجولة بمشهد كوني يرمز إلى غنى اللّه الذي لا ينفد،وعلمه الذي لا يحد،وقدرته على الخلق والتكوين المتجددين بغير ما نهاية،ومشيئته المطلقة التي لا نهاية لما تريد: «وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ،وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ،ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ.إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..
إنه مشهد منتزع من معلومات البشر ومشاهداتهم المحدودة،ليقرب إلى تصورهم معنى تجدد المشيئة الذي ليس له حدود والذي لا يكاد تصورهم البشري يدركه بغير هذا التجسيم والتمثيل.
إن البشر يكتبون علمهم،ويسجلون قولهم،ويمضون أوامرهم،عن طريق كتابتها بأقلام - كانت تتخذ من الغاب والبوص - يمدونها بمداد من الحبر ونحوه.لا يزيد هذا الحبر على ملء دواة أو ملء زجاجة! فها هو ذا يمثل لهم أن جميع ما في الأرض من شجر تحول أقلاما.وجميع ما في الأرض من بحر تحول مدادا.بل إن هذا البحر أمدته سبعة أبحر كذلك ..وجلس الكتاب يسجلون كلمات اللّه المتجددة،الدالة على علمه،المعبرة عن مشيئته ..فماذا؟ لقد نفدت الأقلام ونفد المداد.نفدت الأشجار ونفدت البحار ..وكلمات اللّه باقية لم تنفد،ولم تأت لها نهاية ..إنه المحدود يواجه غير المحدود.ومهما يبلغ المحدود فسينتهي ويبقى غير المحدود لم ينقص شيئا على الإطلاق ..إن كلمات اللّه لا تنفد،لأن علمه لا يحد،ولأن إرادته لا تكف،ولأن مشيئته - سبحانه - ماضية ليس لها حدود ولا قيود.وتتوارى الأشجار والبحار،وتنزوي الأحياء والأشياء وتتوارى الأشكال والأحوال.ويقف القلب