ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان - على هذا التشابه - ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء! وهكذا يبدو التنوع في صنعة البارئ هائلا يدير الرؤوس:التنوع في الأنواع والأجناس،والتنوع في الأشكال والسمات،والتنوع في المزايا والصفات ..وكله ..كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب.
فمن ذا الذي لا يعبد اللّه وحده،وهذه آثار صنعته،وآيات قدرته؟ ومن ذا الذي يجعل للّه أندادا،ويد الإعجاز واضحة الآثار،فيما تراه الأبصار،وفيما لا تدركه الأبصار؟
بعد ذلك يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن:إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما،بَعُوضَةً فَما فَوْقَها،فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ،وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ:ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا،وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ،وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ..أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» ..
وهذه الآيات تشي بأن المنافقين الذين ضرب اللّه لهم مثل الذي استوقد نارا ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - وربما كان اليهود كذلك والمشركون - قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة،ومن وجود أمثال أخرى في القرآن المكي الذي سبق نزوله وكان يتلى في المدينة،كالذي ضربه اللّه مثلا للذين كفروا بربهم «كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» ..وكالذي ضربه اللّه مثلا لعجز آلهتهم المدعاة عن خلق الذباب: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ.ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ» ..
نقول:إن هذه الآيات تشي بأن المنافقين - وربما كان اليهود والمشركون - قد وجدوا في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن،بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن اللّه،وأن اللّه لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه! ..وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة،كما كان يقوم بها المشركون في مكة.
فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس،وبيانا لحكمة اللّه في ضرب الأمثال،وتحذيرا لغير المؤمنين من عاقبة الاستدراج بها،وتطمينا للمؤمنين أن ستزيدهم إيمانا.
«إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما،بَعُوضَةً فَما فَوْقَها» ..فاللّه رب الصغير والكبير،وخالق البعوضة والفيل،والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل.
إنها معجزة الحياة.معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا اللّه ..على أن العبرة في المثل ليست في الحجم والشكل،إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير.وليس في ضرب الأمثال ما يعاب وما من شأنه