فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 4997

الاستحياء من ذكره.واللّه - جلت حكمته - يريد بها اختبار القلوب،وامتحان النفوس: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» ..

ذلك أن إيمانهم باللّه يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله وبما يعرفون من حكمته.وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم،وحساسية في أرواحهم،وتفتحا في مداركهم،واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند اللّه ..

«وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ:ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟» ..وهو سؤال المحجوب عن نور اللّه وحكمته،المقطوع الصلة بسنة اللّه وتدبيره.ثم هو سؤال من لا يرجو للّه وقارا،ولا يتأدب معه الأدب اللائق بالعبد أمام تصرفات الرب.يقولونها في جهل وقصور في صيغة الاعتراض والاستنكار،أو في صورة التشكيك في صدور مثل هذا القول عن اللّه! هنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء المثل من تقدير وتدبير: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا،وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا،وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» ..

واللّه - سبحانه - يطلق الابتلاء ات والامتحانات تمضي في طريقها،ويتلقاها عباده،كل وفق طبيعته واستعداده،وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه.والابتلاء واحد ..ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق ..الشدة تسلط على شتى النفوس،فأما المؤمن الواثق باللّه وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاء إلى اللّه وتضرعا وخشية.وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من اللّه بعدا،وتخرجه من الصف إخراجا.والرخاء يسلط على شتى النفوس،فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا.وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء ..وهكذا المثل الذي يضربه اللّه للناس .. «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا» ..ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من اللّه، «وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا» ممن يدركون حكمة اللّه. «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» ..الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق،فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه!

27 -ويفصل السياق صفة الفاسقين هؤلاء،كما فصل في أول السورة صفة المتقين فالمجال ما يزال - في السورة - هو مجال الحديث عن تلك الطوائف،التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ،وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» ..فأي عهد من عهود اللّه هو الذي ينقضون؟ وأي أمر مما أمر اللّه به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟

لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال،لأن المجال مجال تشخيص طبيعة،وتصوير نماذج،لا مجال تسجيل حادثة،أو تفصيل واقعة ..إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها.فكل عهد بين اللّه وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض وكل ما أمر اللّه به أن يوصل فهو بينهم مقطوع وكل فساد في الأرض فهو منهم مصنوع ..إن صلة هذا النمط من البشر باللّه مقطوعة،وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهد ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد.إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت