فهرس الكتاب

الصفحة 4637 من 4997

«وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ» ..وهي تصف حالة الاستهتار بأمر العقيدة،وحقيقة الإيمان،وأخذها مأخذ الهزل واللعب والخوض بلا مبالاة ولا احتفال.وهي أعظم الجد وأخطر الأمر في حياة الإنسان وهي الشأن الذي ينبغي أن يفصل فيه ضميره وشعوره قبل أن يتناول أي شأن آخر من شؤون هذه الحياة،فعلى أساسها يقوم تصوره وشعوره وقيمه وموازينه.وعلى ضوئها يمضي في طريق الحياة.فكيف لا يقطع فيها برأي ولا يأخذها مأخذ الجد؟ ويخوض فيها مع الخائضين،ويلعب فيها مع اللاعبين؟

«وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ» وهذه أس البلايا.فالذي يكذب بيوم الدين تختل في يده جميع الموازين،وتضطرب في تقديره جميع القيم،ويضيق في حسه مجال الحياة،حين يقتصر على هذا العمر القصير المحدود في هذه الأرض ويقيس عواقب الأمور بما يتم منها في هذا المجال الصغير القصير،فلا يطمئن إلى هذه العواقب،ولا يحسب حساب التقدير الأخير الخطير ..ومن ثم تفسد مقاييسه كلها ويفسد في يده كل أمر من أمور هذه الدنيا،قبل أن يفسد عليه تقديره للآخرة ومصيره فيها ..وينتهي من ثم إلى شر مصير.

والمجرمون يقولون:إننا ظللنا على هذه الأحوال،لا نصلي،ولا نطعم المسكين،ونخوض مع الخائضين،ونكذب بيوم الدين ..

«حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» ..الموت الذي يقطع كل شك وينهي كل ريب،ويفصل في الأمر بلا مرد ..ولا يترك مجالا لندم ولا توبة ولا عمل صالح ..بعد اليقين ..

ويعقب السياق على الموقف السيء المهين،بقطع كل أمل في تعديل هذا المصير: «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» ..فقد قضي الأمر،وحق القول،وتقرر المصير،الذي يليق بالمجرمين المعترفين! وليس هنالك من يشفع للمجرمين أصلا.وحتى على فرض ما لا وجود له فما تنفعهم شفاعة الشافعين!

الدرس السابع:49 - 51 صورة ساخرة لرفض الكفار للحق

وأمام هذا الموقف المهين الميئوس منه في الآخرة،يردهم إلى موقفهم في الفرصة المتاحة لهم في الأرض قبل مواجهة ذلك الموقف وهم يصدون عنها ويعرضون،بل يفرون من الهدى والخير ووسائل النجاة المعروضة عليهم فيها،ويرسم لهم صورة مضحكة تثير السخرية والعجب من أمرهم الغريب: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ،فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ؟» ..

ومشهد حمر الوحش وهي مستنفرة تفر في كل اتجاه،حين تسمع زئير الأسد وتخشاه ..مشهد يعرفه العرب.

وهو مشهد عنيف الحركة.مضحك أشد الضحك حين يشبه به الآدميون! حين يخافون! فكيف إذا كانوا إنما ينفرون هذا النفار الذي يتحولون به من آدميين إلى حمر،لا لأنهم خائفون مهددون بل لأن مذكرا يذكرهم بربهم وبمصيرهم،ويمهد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف الزري المهين،وذلك المصير العصيب الأليم؟! إنها الريشة المبدعة ترسم هذا المشهد وتسجله في صلب الكون،تتملاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت