نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
هذا القسم الثاني من السورة يمضي في الحديث عن دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس،وفيما يتعلق مباشرة بحياتهم ومعاشهم،وفي صفة المؤمنين التي تميز جماعتهم ..وذلك بعد الحديث في القسم الأول عن الوحي والرسالة من جوانبها المتعددة ..ثم يعود في نهاية السورة إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته.وبين القسمين اتصال ظاهر،فهما طريقان إلى القلب البشري،يصلانه بالوحي والإيمان: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ،وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ،وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ،وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ.وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ،إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» ..
تجيء هذه اللمسة بعد ما سبق من مشهد الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم،ومشهد الذين آمنوا في روضات الجنات.ونفي كل شبهة عن صدق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغهم به عن اللّه.وتقرير علم اللّه بذوات الصدور.
تجيء لترغيب من يريد التوبة والرجوع عما هو فيه من ضلالة،قبل أن يقضى في الأمر القضاء الأخير.ويفتح لهم الباب على مصراعيه:فاللّه يقبل عنهم التوبة،ويعفو عن السيئات فلا داعي للقنوط واللجاج في المعصية،والخوف مما أسلفوا من ذنوب.واللّه يعلم ما يفعلون.فهو يعلم التوبة الصادقة ويقبلها.كما يعلم ما أسلفوا من السيئات ويغفرها.
وفي ثنايا هذه اللمسة يعود إلى جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين.فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يستجيبون لدعوة ربهم،وهو يزيدهم من فضله. «وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» ..وباب التوبة مفتوح للنجاة من العذاب الشديد،وتلقي فضل اللّه لمن يستجيب.
وفضل اللّه في الآخرة بلا حساب،وبلا حدود ولا قيود.فأما رزقه لعباده في الأرض فهو مقيد محدود لما يعلمه - سبحانه - من أن هؤلاء البشر لا يطيقون - في الأرض - أن يتفتح عليهم فيض اللّه غير المحدود: «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ،وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ.إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» ..
وهذا يصور نزارة ما في هذه الحياة الدنيا من أرزاق - مهما كثرت - بالقياس إلى ما في الآخرة من فيض غزير.فاللّه يعلم أن عباده،هؤلاء البشر،لا يطيقون الغنى إلا بقدر،وأنه لو بسط لهم في الرزق - من نوع ما يبسط في الآخرة - لبغوا وطغوا.إنهم صغار لا يملكون التوازن.ضعاف لا يحتملون إلا إلى حد.واللّه بعباده خبير بصير.ومن ثم جعل رزقهم في هذه الأرض مقدرا محدودا،بقدر ما