فهرس الكتاب
وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة اللّه على يوسف،بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله.ثم تتجلى نعمة اللّه عليه أخيرا بإعلان براءته الكاملة إعلانا رسميا بحضرة الملك،وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة،وسلطان عظيم.
« ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ » ..
وهكذا جو القصور،وجو الحكم المطلق،وجو الأوساط الأرستقراطية،وجو الجاهلية! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف.وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حبا،ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقا،ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه،والمرأة تعلن في مجتمع النساء - دون حياء - أنه إما أن يفعل ما يؤمر به،وإما أن يلقى السجن والصغار،فيختار السجن على ما يؤمر به!.
بعد هذا كله،بدا لهم أن يسجنوه إلى حين! ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشارا في طبقات الشعب الأخرى ..وهنا لا بد أن تحفظ سمعة «البيوتات» ! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن،فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب،وأن امرأة من «الوسط الراقي!» قد فتنت به،وشهرت بحبه،ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية! «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ» ..
سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص ..
ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن،وما ظهر من صلاحه وإحسانه،فوجه إليه الأنظار،وجعله موضع ثقة المساجين،وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية،فغضب عليهم في نزوة عارضة،فألقي بهم في السجن ..يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه،فهما يقصان عليه رؤيا رأياها.ويطلبان إليه تعبيرها،لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } [يوسف:36] ..
وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة فكونه سجينا لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة،القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين،وجعلهم بالخضوع لهم أربابا يزاولون خصائص الربوبية،ويصبحون فراعين! ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما،فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى،لأن ربه علمه علما لدنيا خاصا،جزاء على تجرده لعبادته وحده،وتخلصه من عبادة الشركاء.