وإلا فلما ذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات؟ لماذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب اللّه؟ لماذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل اللّه؟ بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء اللّه؟
إنهم لا يقولون إلا افتراء،ثم يغرهم هذا الافتراء: «وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..
وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء اللّه،والشعور بحقيقة هذا اللقاء،مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله ..
وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من اللّه،مع الإعراض عن الاحتكام إلى كتاب اللّه،وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة ..
ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون.ثم يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون.وفيهم من يتبجحون ويتوقحون،ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين! وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية ،بل العائلية،ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون! ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن اللّه لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي،ثم يساقون إلى الجنة! أليسوا مسلمين؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء،ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين ..وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين،وتملصهم من حقيقته التي يرضاها اللّه:الإسلام ..الاستسلام والطاعة والاتباع.والتلقي من اللّه وحده في كل شأن من شؤون الحياة: «فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ،وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ،وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» ؟
كيف؟ إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء اللّه،وجدية عدل اللّه ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة ..وهو بعد تهديد قائم للجميع ..مشركين وملحدين،وأهل كتاب ومدعي إسلام،فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام! «فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ» ..وجرى العدل الإلهي مجراه؟ «وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ» ..بلا ظلم ولا محاباة؟ «وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» ..كما أنهم لا يحابون في حساب اللّه؟
سؤال يلقى ويترك بلا جواب ..وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب!
بعدئذ يلقن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن،أن يتجه إلى اللّه،مقررا حقيقة الألوهية الواحدة،وحقيقة القوامة الواحدة،في حياة البشر،وفي تدبير الكون.فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك للّه فيها ولا شبيه:«قُلِ:اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ:تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ.بِيَدِكَ الْخَيْرُ.إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ