فهرس الكتاب

الصفحة 4643 من 4997

«لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ،وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ،أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ؟ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ،بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ،يَسْئَلُ:أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ؟ فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ،وَخَسَفَ الْقَمَرُ،وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ..يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ:أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلَّا لا وَزَرَ.إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ،يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ،بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ،وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ» ..

هذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحس من القسم المباشر وهذا الوقع هو المقصود من العبارة،وهو يتم أحسن تمام بهذا الأسلوب الخاص،الذي يتكرر في مواضع مختلفة من القرآن ..ثم تبرز من ورائه حقيقة القيامة وحقيقة النفس اللوامة.

وحقيقة القيامة سيرد عنها الكثير في مواضعه في السورة.فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها ..عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ،سَمِعْتُ الْحَسَنَ،فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قَالَ:"إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ يَقُولُ:مَا أَرَدْتُ بِكَلِمَتِي،يَقُولُ:مَا أَرَدْتُ بِأَكْلَتِي،مَا أَرَدْتُ بِحَدِيثِ نَفْسِي،فَلَا تَرَاهُ إِلَّا يُعَاتِبُهَا،وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا فَلَا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ" [1] ..

وعن عكرمة:تلوم على الخير والشر:لو فعلت كذا وكذا! كذلك عن سعيد بن جبير [2] ..وعن ابن عباس:هي النفس اللؤوم.وعنه أيضا:اللوامة المذمومة. [3]

وعن مجاهد:تندم على ما فات وتلوم عليه ..وعن قتادة:الفاجرة [4] ..وقال جرير:وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى،والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر،وتندم على ما فات. [5]

ونحن نختار في معنى «بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» قول الحسن البصري:«إن المؤمن واللّه ما تراه إلا يلوم نفسه:

ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه» ..

فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها،وتتلفت حولها،وتتبين حقيقة هواها،وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على اللّه،حتى ليذكرها مع القيامة.ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة.نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدما في الفجور،والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة!

(1) - الزُهْدُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ( 1634) صحيح

(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /49] صحيح

(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /276]

(4) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /276]

(5) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /276] وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [24 /50]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت