آتاهم من الفطرة،وما آتاهم من البينة وأن يتمتعوا متاع الحياة الدنيا المحدود إلى الأجل المقدور.ثم يكون بعد ذلك ما يكون،وهو الشر والسوء. «لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» ..
وهو التهديد من طرف خفي بسوء ما سوف يعلمون!
ثم يذكر هم بنعمة اللّه عليهم في إعطائهم هذا الحرم الآمن الذي يعيشون فيه فلا يذكرون نعمة اللّه ولا يشكرونها بتوحيده وعبادته.بل إنهم ليروعون المؤمنين فيه: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ؟» ..
ولقد كان أهل الحرم المكي يعيشون في أمن،يعظمهم الناس من أجل بيت اللّه،ومن حولهم القبائل تتناحر،ويفزع بعضهم بعضا،فلا يجدون الأمان إلا في ظل البيت الذي آمنهم اللّه به وفيه.فكان عجيبا أن يجعلوا من بيت اللّه مسرحا للأصنام،ولعبادة غير اللّه أيا كان! «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ؟ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ؟» «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ؟ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ؟» ..
وهم قد افتروا على اللّه الكذب بنسبة الشركاء إليه.وهم كذبوا بالحق لما جاءهم وجحدوا به.أليس في جهنم مثوى للكافرين؟ بلى وعن يقين!
ويختم السورة بصورة الفريق الآخر.الذين جاهدوا في اللّه ليصلوا إليه ويتصلوا به.الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا.الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس.الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب ..أولئك لن يتركهم اللّه وحدهم ولن يضيع إيمانهم،ولن ينسى جهادهم.إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم.وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم.وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم.وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» [1] ..
(1) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وَلِهَذَا كَانَ الْجِهَادُ مُوجِبًا لِلْهِدَايَةِ الَّتِي هِيَ مُحِيطَةٌ بِأَبْوَابِ الْعِلْمِ . كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } فَجَعَلَ لِمَنْ جَاهَدَ فِيهِ هِدَايَةَ جَمِيعِ سُبُلِهِ تَعَالَى ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا:إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَاذَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرُ فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } .مجموع الفتاوى [28 /442] "