الأرض إنما يتم تكوينه وتخزينه واختلافه من مكان إلى مكان وفق أسباب من طبيعة الأرض ومن مجموعة تأثراتها بالشمس والقمر [1] !
والقرآن يجعل الكون الكبير ومشاهده العظيمة هي برهانه وحجته،وهي مجال النظر والتدبر للحق الذي جاء به.ويقف القلب أمام هذا الكون وقفة المتفكر المتدبر،اليقظ لعجائبه،الشاعر بيد الصانع وقدرته،المدرك لنواميسه الهائلة،بلفتة هادئة يسيرة،لا تحتاج إلى علم شاق عسير،إنما تحتاج إلى حس يقظ وقلب بصير.وكلما جلا آية من آيات اللّه في الكون وقف أمامها يسبح بحمد اللّه ويربط القلوب باللّه: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ!» .
وبمناسبة الحديث عن الحياة في الأرض وعن الرزق والبسط فيه والقبض،يضع أمامه الميزان الدقيق للقيم كلها.فإذا الحياة الدنيا بأرزاقها ومتاعها لهو ولعب حين تقاس بالحياة في الدار الآخرة: «وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ،وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ،لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» ..
فهذه الحياة الدنيا في عمومها ليست إلا لهوا ولعبا حين لا ينظر فيها إلى الآخرة.حين تكون هي الغاية العليا للناس.حين يصبح المتاع فيها هو الغاية من الحياة.فأما الحياة الآخرة فهي الحياة الفائضة بالحيوية.هي «الْحَيَوانُ» لشدة ما فيها من الحيوية والامتلاء.
والقرآن لا يعني بهذا أن يحض على الزهد في متاع الحياة الدنيا والفرار منه وإلقائه بعيدا.إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه.إنما يعني مراعاة الآخرة في هذا المتاع،والوقوف فيه عند حدود اللّه.كما يقصد الاستعلاء عليه فلا تصبح النفس أسيرة له،يكلفها ما يكلفها فلا تتأبى عليه! والمسألة مسألة قيم يزنها بميزانها الصحيح.فهذه قيمة الدنيا وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرها المؤمن ثم يسير في متاع الحياة الدنيا على ضوئها،مالكا لحريته معتدلا في نظرته:الدنيا لهو ولعب،والآخرة حياة مليئة بالحياة.
وبعد هذه الوقفة للوزن والتقويم يمضي في عرض ما هم فيه من متناقضات: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» ..
وهذا كذلك من التناقض والاضطراب.فهم إذا ركبوا في الفلك وأصبحوا على وجه اليم كاللعبة تتقاذفها الأمواج لم يذكروا إلا اللّه.ولم يشعروا إلا بقوة واحدة يلجأون إليها هي قوة اللّه.ووحدوه في مشاعرهم وعلى ألسنتهم سواء وأطاعوا فطرتهم التي تحس وحدانية اللّه: «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» ونسوا وحي الفطرة المستقيم ونسوا دعاءهم للّه وحده مخلصين له الدين وانحرفوا إلى الشرك بعد الإقرار والتسليم! وغاية هذا الانحراف أن ينتهي بهم إلى الكفر بما آتاهم اللّه من النعمة،وما
(1) - يراجع تفسير قوله تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» في سورة الفرقان الجزء التاسع عشر من الظلال. ( السيد رحمه الله )