واليقين بلقاء اللّه - واستعمال ظن ومشتقاتها في معنى اليقين كثير في القرآن وفي لغة العرب عامة - واليقين بالرجعة إليه وحده في كل الأمور ..هو مناط الصبر والاحتمال وهو مناط التقوى والحساسية.كما أنه مناط الوزن الصحيح للقيم:قيم الدنيا وقيم الآخرة.ومتى استقام الميزان في هذه القيم بدت الدنيا كلها ثمنا قليلا،وعرضا هزيلا وبدت الآخرة على حقيقتها،التي لا يتردد عاقل في اختيارها وإيثارها.وكذلك يجد المتدبر للقرآن في التوجيه الذي قصد به بنو إسرائيل أول مرة،توجيها دائما مستمر الإيحاء للجميع ..
ومن ثم عودة إلى نداء بني إسرائيل،وتذكير هم بنعمة اللّه عليهم،وتخويفهم ذلك اليوم المخيف إجمالا قبل الأخذ في التفصيل: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ،وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا،وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ،وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ،وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» .
وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم،فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم،وعصوا أنبياءهم،وجحدوا نعمة اللّه عليهم،وتخلوا عن التزام اتهم وعهدهم،فقد أعلن اللّه حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة،وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد.
وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين،هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل اللّه وعهده وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية،فيعودوا إلى موكب الإيمان.وإلى عهد اللّه شكرا على تفضيله لآبائهم،ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنون.
ومع الإطماع في الفضل والنعمة،التحذير من اليوم الذي يأتي وصفه: «لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا» ..فالتبعة فردية،والحساب شخصي،وكل نفس مسؤولة عن نفسها،ولا تغني نفس عن نفس شيئا ..
وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم.مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان،وعلى العدل المطلق من اللّه.وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان بكرامته،والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره.
وكلاهما عامل من عوامل التربية،فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام.
«وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ.وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ» .فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيمانا وعملا صالحا ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته.
«وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» ..فما من ناصر يعصمهم من اللّه،وينجيهم من عذابه ..وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس،ولا يقبل منها شفاعة،ولا يؤخذ منها