من واقعها لا من رنينها وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها ..إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة،لأنها منبثقة من حياة.
والمطابقة بين القول والفعل،وبين العقيدة والسلوك،ليست مع هذا أمرا هينا،ولا طريقا معبدا.إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة.وإلى صلة باللّه،واستمداد منه،واستعانة بهديه فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره،أو عما يدعو إليه غيره.
والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته،لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى،ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي،أقوى من كل قوي.قوي على شهوته وضعفه.قوي على ضروراته واضطراراته.قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه.
ومن ثم يوجه القرآن اليهود الذين كان يواجههم أولا،ويوجه الناس كلهم ضمنا،إلى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة.:وفي حالة اليهود كان مطلوبا منهم أن يؤثروا الحق الذي يعلمونه على المركز الخاص الذي يتمتعون به في المدينة،وعلى الثمن القليل - سواء كان ثمن الخدمات الدينية أو هو الدنيا كلها - وأن يدخلوا في موكب الإيمان وهم يدعون الناس إلى الإيمان! وكان هذا كله يقتضي قوة وشجاعة وتجردا.واستعانة بالصبر والصلاة: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ.وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ،الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ،وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ» ..
والغالب أن الضمير في إنها ضمير الشأن،أي إن هذه الدعوة إلى الاعتراف بالحق في وجه هذه العوامل كبيرة وصغبة وشاقة،إلا على الخاشعين الخاضعين للّه،الشاعرين بخشيته وتقواه،الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين.
والاستعانة بالصبر تتكرر كثيرا فهو الزاد الذي لا بد منه لمواجهة كل مشقة،وأول المشقات مشقة النزول عن القيادة والرياسة والنفع والكسب احتراما للحق وإيثارا له،واعترافا بالحقيقة وخضوعا لها.
فما الاستعانة بالصلاة؟
إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب.صلة يستمد منها القلب قوة،وتحس فيها الروح صلة وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا ..عن حذيفة قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" [1] .،وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام ..وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق،وريّا في الهجير،ومددا حين ينقطع المدد،ورصيدا حين ينفد الرصيد ..
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [1 /12] 849 صحيح