فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 4997

في تفسير هذه الآية - ثمن قليل،حين تقاس إلى الإيمان بآيات اللّه،وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة عند اللّه.

ويمضي السياق يحذرهم ما كانوا يزاولونه من تلبيس الحق بالباطل،وكتمان الحق وهم يعلمونه،بقصد بلبلة الأفكار في المجتمع المسلم،وإشاعة الشك والاضطراب: «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ.وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..

ولقد زاول اليهود هذا التلبيس والتخليط وكتمان الحق في كل مناسبة عرضت لهم،كما فصل القرآن في مواضع منه كثيرة وكانوا دائما عامل فتنة وبلبلة في المجتمع الإسلامي،وعامل اضطراب وخلخلة في الصف المسلم.وسيأتي من أمثلة هذا التلبيس الشيء الكثير!

ثم يدعوهم إلى الاندماج في موكب الإيمان،والدخول في الصف،وأداء عباداته المفروضة،وترك هذه العزلة والتعصب الذميم،وهو ما عرفت به يهود من قديم: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ،وَآتُوا الزَّكاةَ،وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» ..

ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين،وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين اللّه،المصدق لدينهم القديم: « أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ؟ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..

ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل،فإنه في إيحائه للنفس البشرية،ولرجال الدين بصفة خاصة،دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل.

إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه ويدعون إلى البر ويهملونه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى،ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص،ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين،لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود! والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه،هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها.وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم،لأنهم يسمعون قولا جميلا،ويشهدون فعلا قبيحا فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين.

إن الكلمة لتنبعث ميتة،وتصل هامدة،مهما تكن طنانة رنانة متحمسة،إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها.ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول،وتجسيما واقعيا لما ينطق ..عندئذ يؤمن الناس،ويثق الناس،ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق ..إنها حينئذ تستمد قوتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت