حتى ليؤدي المؤمن شهادة:بأن لا إله إلا اللّه.وهو لم ير اللّه ..إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري،وانطلاق طاقاته الفطرية،واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس،وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس،عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه وانتكاسه إلى المستوي الحيواني في الحس «المادي» ! ومن ثم يجعلها اللّه سبحانه حكمة لهذا الابتلاء ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها ..
واللّه سبحانه يعلم علما لدنّياّ من يخافه بالغيب.ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما.لدنيا.إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه اللّه - سبحانه - علم وقوع ..
« فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..فقد أخبر بالابتلاء،وعرف حكمة تعرضه له،وحذر من الوقوع فيه وبذلت له كل أسباب النجاح فيه ..
فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلا. [1]
انظر على سبيل الله المثال الكلام عن آيات الربا،أو الكلام عن تحريم الخمر ....
قال رحمه الله":إن الحق هو ما جاء به الكتاب وأن هذا الحق قد أنزل ليكون هو الحكم العدل،والقول الفصل،فيما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينهم .. لا حق غيره. ولا حكم معه. ولا قول بعده. وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد وبغير تحكيمه في كل ما يختلف فيه الناس وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا مماحكة ولا اعتراض .. بغير هذا كله لا يستقيم أمر هذه الحياة ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة ولا يقوم على الأرض السلام ولا يدخل الناس في السلم بحال."
ولهذه الحقيقة قيمتها الكبرى في تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس تصوراتهم وشرائعهم والتي ينتهون إليها في كل ما يشجر بينهم من خلاف في شتى صور الخلاف .. إنها جهة واحدة لا تتعدد هي التي أنزلت هذا الكتاب بالحق وهو مصدر واحد لا يتعدد هو هذا الكتاب الذي أنزله اللّه بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ..
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [2 /980]