فهرس الكتاب

الصفحة 2974 من 4997

ولكن هذه الدعوة اللطيفة بأحب الألفاظ وأرقها لا تصل إلى القلب المشرك الجاسي،فإذا أبو إبراهيم يقابله بالاستنكار والتهديد والوعيد: «قالَ:أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ.وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» .أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم،وكاره لعبادتها ومعرض عنها؟ أو بلغ بك الأمر إلى هذا الحد من الجراءة؟! فهذا إنذار لك بالموت الفظيع إن أنت أصررت على هذا الموقف الشنيع: «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ» ! فاغرب عن وجهي وابعد عني طويلا.استبقاء لحياتك إن كنت تريد النجاة: «وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» ..بهذه الجهالة تلقى الرجل الدعوة إلى الهدى.وبهذه القسوة قابل القول المؤدب المهذب.وذلك شأن الإيمان مع الكفر وشأن القلب الذي هذبه الإيمان والقلب الذي أفسده الكفر.ولم يغضب إبراهيم الحليم.ولم يفقد بره وعطفه وأدبه مع أبيه: « قالَ:سَلامٌ عَلَيْكَ.سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا.وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ،وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا» .سلام عليك ..فلا جدال ولا أذى ولا رد للتهديد والوعيد.سأدعو اللّه أن يغفر لك فلا يعاقبك بالاستمرار في الضلال وتولي الشيطان،بل يرحمك فيرزقك الهدى.وقد عودني ربي أن يكرمني فيجيب دعائي.وإذا كان وجودي إلى جوارك ودعوتي لك إلى الإيمان تؤذيك فسأعتز لك أنت وقومك،وأعتزل ما تدعون من دون اللّه من الآلهة.وأدعو ربي وحده،راجيا - بسبب دعائي للّه - ألا يجعلني شقيا.

فالذي يرجوه إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة ..وذلك من الأدب والتحرج الذي يستشعره.فهو لا يرى لنفسه فضلا،ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه الشقاوة!

وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودياره،فلم يتركه اللّه وحيدا.بل وهب له ذرية وعوضه خيرا: «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ.وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا.وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا،وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا» ..وإسحاق هو ابن إبراهيم،رزقه من سارة - وكانت قبله عقيما - ويعقوب هو ابن إسحاق:ولكنه يحسب ولدا لإبراهيم لأن إسحاق رزقه في حياة جده،فنشأ في بيته وحجره،وكان كأنه ولده المباشر وتعلم ديانته ولقنها بنيه.وكان نبيا كأبيه. «وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا» إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونسلهم ..والرحمة تذكر هنا لأنها السمة البارزة في جو السورة،ولأنها هبة اللّه التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره،وتؤنسه في وحدته واعتزاله. « وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا» ..فكانوا صادقين في دعوتهم،مسموعي الكلمة في قومهم.يؤخذ قولهم بالطاعة وبالتبجيل.

الدرس الثاني:51 - 57 مع موسى وهارون وإسماعيل وإدريس

ثم يمضي السياق مع ذرية إبراهيم:مستطردا مع فرع إسحق فيذكر موسى وهارون: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا.وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا.وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت