فهرس الكتاب

الصفحة 2973 من 4997

وتعويضه عن أبيه وأهله المشركين ذرية صالحة تنسل أمة كبيرة،فيها الأنبياء وفيها الصالحون.وقد خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ينحرفون عن الصراط الذي سنه لهم أبوهم إبراهيم.هم هؤلاء المشركون ..

ويصف اللّه إبراهيم بأنه كان صديقا نبيا.ولفظة صديق تحتمل معنى أنه كثير الصدق وأنه كثير التصديق.وكلتاهما تناسب شخصية إبراهيم: « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا،إِذْ قالَ لِأَبِيهِ:يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا.يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا.يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ..» .

بهذا اللطف في الخطاب يتوجه إبراهيم إلى أبيه،يحاول أن يهديه إلى الخير الذي هداه اللّه إليه،وعلمه إياه وهو يتحبب إليه فيخاطبه: «يا أَبَتِ» ويسأله: «لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟»

والأصل في العبادة أن يتوجه بها الإنسان إلى من هو أعلى من الإنسان وأعلم وأقوى.وأن يرفعها إلى مقام أسمى من مقام الإنسان وأسنى.فكيف يتوجه بها إذن إلى ما هو دون الإنسان،بل إلى ما هو في مرتبة أدنى من مرتبة الحيوان،لا يسمع ولا يبصر ولا يملك ضرا ولا نفعا.إذ كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام كما هو حال قريش الذين يواجههم الإسلام.

هذه هي اللمسة الأولى التي يبدأ بها إبراهيم دعوته لأبيه.ثم يتبعها بأنه لا يقول هذا من نفسه،إنما هو العلم الذي جاءه من اللّه فهداه.ولو أنه أصغر من أبيه سنا وأقل تجربة،ولكن المدد العلوي جعله يفقه ويعرف الحق فهو ينصح أباه الذي لم يتلق هذا العلم،ليتبعه في الطريق الذي هدي إليه: «يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا» ..فليست هناك غضاضة في أن يتبع الوالد ولده،إذا كان الولد على اتصال بمصدر أعلى.فإنما يتبع ذلك المصدر،ويسير في الطريق إلى الهدى.

وبعد هذا الكشف عما في عبادة الأصنام من نكارة،وبيان المصدر الذي يستمد منه إبراهيم ويعتمد عليه في دعوة أبيه ..يبين له أن طريقه هو طريق الشيطان،وهو يريد أن يهديه إلى طريق الرحمن،فهو يخشى أن يغضب اللّه عليه فيقضي عليه أن يكون من أتباع الشيطان.

«يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ.إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا.يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا» .والشيطان هو الذي يغري بعبادة الأصنام من دون اللّه،فالذي يعبدها كأنما يتعبد الشيطان والشيطان عاص للرحمن.وإبراهيم يحذر أباه أن يغضب اللّه عليه فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا.فهداية اللّه لعبده إلى الطاعة نعمة وقضاؤه عليه أن يكون من أولياء الشيطان نقمة ..نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة أفدح يوم يقوم الحساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت