والتقديرات.وجعل التوراة كالقرآن «ذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ» تذكرهم باللّه،وتبقي لهم ذكرا في الناس.وماذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة؟ كانوا أذلاء تحت سياط فرعون،يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستذلهم بالسخرة والإيذاء.
ويخص المتقين «الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» لأن الذين تستشعر قلوبهم خشية اللّه ولم يروه، «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» فيعملون لها ويستعدون هؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء،ويسيرون على هداه،فيكون كتاب اللّه لهم ذكرا،يذكرهم باللّه،ويرفع لهم ذكرا في الناس.
ذلك شأن موسى وهارون .. «وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ» فليس بدعا ولا عجبا،إنما هو أمر مسبوق وسنة معروفة «أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟» فماذا تنكرون منه،وقد سبقت به الرسالات؟
وبعد الإشارة السريعة إلى موسى وهارون وكتابهما يرتد السياق إلى حلقة كاملة من قصة إبراهيم،وهو جد العرب الأكبر وباني الكعبة التي يحشدون فيها الأصنام،ويعكفون عليها بالعبادة،وهو الذي حطم الأصنام من قبل.والسياق يعرضه هنا وهو يستنكر الشرك ويحطم الأصنام.
والحلقة المعروفة هنا هي حلقة الرسالة.وهي مقسمة إلى مشاهد متتابعة،بينها فجوات صغيرة.وهي تبدأ بالإشارة إلى سبق هداية إبراهيم إلى الرشد.ويعني به الهداية إلى التوحيد.فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة «الرشد» في هذا المقام.
«وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ،وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ» ..آتينا رشده،وكنا عالمين بحاله وباستعداده لحمل الأمانة التي يحملها المرسلون. «إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ:ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟» ..
فكانت قولته هذه دليل رشده ..سمى تلك الأحجار والخشب باسمها: «هذِهِ التَّماثِيلُ» ولم يقل:إنها آلهة،واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة.وكلمة «عاكِفُونَ» تفيد الانكباب الدائم المستمر.وهم لا يقضون وقتهم كله في عبادتها.ولكنهم يتعلقون بها.فهو عكوف معنوي لا زمني.وهو يسخف هذا التعلق ويبشعه بتصويرهم منكبين أبدا على هذه التماثيل! فكان جوابهم وحجتهم أن «قالُوا:وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» ! وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة،في مقابل حرية الإيمان،وانطلاقه للنظر والتدبر،وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقية لا التقليدية.فالإيمان باللّه طلاقة وتحرر من القداسات الوهمية التقليدية،والوراثات المتحجرة التي لا تقوم على دليل: «قالَ:لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وما كانت عبادة الآباء لتكسب هذه التماثيل قيمة ليست لها،ولا لتخلع عليها قداسة لا تستحقها.فالقيم لا تنبع من تقليد الآباء وتقديسهم،إنما تنبع من التقويم المتحرر الطليق.
وعند ما واجههم إبراهيم بهذه الطلاقة في التقدير،وبهذه الصراحة في الحكم،راحوا يسألون: «قالُوا:أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ؟» ..وهو سؤال المزعزع العقيدة،الذي لا يطمئن إلى