فهرس الكتاب

الصفحة 1113 من 4997

وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه اللّه.وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين،يدافع عنهم ويجادل.وتوجيهه لاستغفار اللّه - سبحانه - عن هذه المجادلة. «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ.وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا.وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» ..

ثم تكرار هذا النهي ووصف هؤلاء الخائنين،الذين جادل عنهم - صلى الله عليه وسلم - بأنهم يختانون أنفسهم.وتعليل ذلك بأن اللّه لا يحب من كان خوانا أثيما»: «وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ.إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا» .

وهم خانوا غيرهم في الظاهر.ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم.فقد خانوا الجماعة ومنهجها،ومبادئها التي تميزها وتفردها.وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها،وهم منها ..ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى.صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء.حيث يكرههم اللّه،ويعاقبهم بما أثموا.

وهي خيانة للنفس من غير شك ..وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم،هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة. «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا» ..

وهذه عقوبة أكبر من كل عقوبة ..وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر.فالذين لا يحبهم اللّه لا يجوز أن يجادل عنهم أحد،ولا أن يحامي عنهم أحد.وقد كرههم اللّه للإثم والخيانة! ويعقب الوصف بالإثم والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة الآثمين: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ - وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ» ...

وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية.زرية بما فيها من ضعف والتواء،وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ويستخفون بها عن الناس.والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا.بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون.وهم يزورون من القول ما لا يرضاه! فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف؟

«وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا» ...إجمالا وإطلاقا ..فأين يذهبون بما يبيتون.واللّه معهم إذ يبيتون.واللّه بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته؟

وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب على كل من جادل عن الخائنين: « ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا؟» ..

واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل.فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل؟

الدرس الثاني:110 - 112 قواعد في الإدانة والتوبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت