وأما أن اللّه جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ..فلا يصعب القول فيه.فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين اللّه الصحيح ..الإسلام ..الذي عرف حقيقته كل نبي،وجاء به كل رسول،وآمن به كل من آمن حقا بدين اللّه ..وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان اللّه ..كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان،وحقيقة الاتباع ..ودين اللّه واحد.وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول.والذين يتبعون محمدا - صلى الله عليه وسلم - هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم.من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان.
وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة،ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق.فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين،فيقررها السياق في صدد إخبار اللّه لعيسى عليه السلام: «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ.وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ..
وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء،وللقسط الذي لا يميل شعرة،ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء ..
رجعة إلى اللّه لا محيد عنها.وحكم من اللّه فيما اختلفوا فيه لا مرد له.وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه.
وتوفية للأجر للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا محاباة فيه ولا بخس .. «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ..فحاشا أن يظلم وهو لا يحب الظالمين ..وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات.وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل اللّه في جزائه من أماني خادعة ..باطل باطل لا يقوم على أساس.
وعند ما يصل السياق إلى هذا الحد من قصة عيسى التي تدور حولها المناظرة ويدور حولها الجدل،يبدأ التعقيب الذي يقرر الحقائق الأساسية المستفادة من هذا القصص،وينتهي إلى تلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يواجه به أهل الكتاب مواجهة فاصلة تنهي الحوار والجدل وتستقر على حقيقة ما جاء به،وما يدعو إليه،في وضوح كامل وفي يقين:« ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ.ثُمَّ قالَ لَهُ:كُنْ.فَيَكُونُ.الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ:تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ،وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ،وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ،ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ،وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ.وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.قُلْ:يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى