وإن الزوجين ليفارقان - في ظل تلك الأحكام والتوجيهات - وفي قلوبهما بذور للود لم تمت،ونداوة قد تحيي هذه البذور فتنبت ..ذلك إلى الأدب الجميل الرفيع الذي يريد الإسلام أن يصبغ به حياة الجماعة المسلمة،ويشيع فيها أرجه وشذاه.
فإذا انتهى السياق من هذا كله ساق العبرة الأخيرة في مصير الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله،فلم يسمعوا ولم يستجيبوا.وعلق هذه العبرة على الرؤوس،تذكرهم بالمصير البائس الذي ينتظر من لا يتقي ولا يطيع.كما تذكرهم بنعمة اللّه على المؤمنين المخاطبين بالسورة والتشريع: « وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ،فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا.فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها،وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا.أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا.فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا،قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا:رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا» ..
وهو إنذار طويل وتحذير مفصل المشاهد.كما أنه تذكير عميق بنعمة اللّه بالإيمان والنور،ووعده بالأجر في الآخرة وهو أحسن الرزق وأكرمه.فأخذ اللّه لمن يعتو عن أمره ولا يسلم لرسله هو سنة متكررة: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا» .وتفصيل أخذها وذكر الحساب العسير والعذاب النكير ،ثم تصوير العاقبة وسوء المصير: «فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا» ..ثم تأخير صورة هذه العاقبة الخاسرة في الآية التالية: «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا» ..كل هذا لإطالة المشهد وتفصيل خطواته ومراحله.وهي طريقة من طرق الأسلوب القرآني في تعميق الأثر في الحس وإطالة مكثه في الأعصاب [1] .
ونقف لحظة أمام هذا التحذير فنرى أن اللّه أخذ القرى واحدة بعد واحدة كلما عتت عن أمر ربها ورسله ..ونجد أن هذا التحذير يساق هنا بمناسبة الطلاق وأحكامه،فيرتبط الطلاق وحكمه بهذه السنة الكلية.ويوحي هذا الارتباط أن أمر الطلاق ليس أمر أسر أو أزواج.إنما هو أمر الأمة المسلمة كلها.فهي المسئولة عن هذا الأمر.وهي المسئولة فيه عن شريعة اللّه.ومخالفتها عن أمر اللّه فيه - أو مخالفتها عن أمر اللّه في غيره من أحكام هذا النظام،أو هذا المنهج الإلهي المتكامل للحياة - هي عتو عن أمر اللّه،لا يؤاخذ به الأفراد الذين يرتكبونه،إنما تؤاخذ به القرية أو الأمة التي تقع فيها المخالفة،والتي تنحرف في تنظيم حياتها عن نهج اللّه وأمره فقد جاء هذا الدين ليطاع،ولينفذ كله،وليهيمن على الحياة كلها.فمن عتا عن أمر اللّه فيه - ولو كان هذا في أحوال الأفراد الشخصية
(1) - يراجع فصل «التناسق الفني» في كتاب «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )