فهرس الكتاب

الصفحة 4460 من 4997

-فقد تعرض لما تعرضت له القرى من سنة اللّه التي لا تتخلف أبدا.وتلك القرى ذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ..ذاقته في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير.

ولقد ذاقت هذا الوبال قرى وأمم وشعوب عتت عن منهج اللّه في الأرض.ونحن نشهد وأسلافنا شهدوا هذا الوبال.ذاقته فسادا وانحلالا،وفقرا وقحطا،وظلما وجورا،وحياة مفزعة لا أمن فيها ولا سلام،ولا طمأنينة فيها ولا استقرار.وفي كل يوم نرى مصداق هذا النذير!

وذلك فوق العذاب الشديد الذي ينتظر العتاة عن أمر اللّه ونهجه في الحياة حيث يقول اللّه: «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا» ..واللّه أصدق القائلين.

إن هذا الدين منهج نظام جماعي - كما أسلفنا الحديث في سورة الصف - جاء لينشئ جماعة مسلمة ذات نظام خاص.وجاء ليصرف حياة هذه الجماعة كلها.ومن ثم فالجماعة كلها مسؤولة عنه،مسؤولة عن أحكامه.ولن تخالف عن هذه الأحكام حتى يحق عليها هذا النذير الذي حق على القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله.

وفي مواجهة هذا الإنذار ومشاهده الطويلة يهتف بأولي الألباب الذين آمنوا.الذين هدتهم ألبابهم إلى الإيمان.يهتف بهم ليتقوا اللّه الذي أنزل لهم الذكر: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا» ..ويجسم هذا الذكر ويمزجه بشخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجعل شخصه الكريم هو الذكر،أو بدلا منه في العبارة: «رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» ..وهنا لفتة مبدعة عميقة صادقة ذات دلائل منوعة ..

إن هذا الذكر الذي جاء من عند اللّه مر إليهم من خلال شخصية الرسول الصادق حتى لكأن الذكر نفذ إليهم مباشرة بذاته،لم تحجب شخصية الرسول شيئا من حقيقته.

والوجه الثاني لإيحاء النص هو أن شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استحالت ذكرا،فهي صورة مجسمة لهذا الذكر صنعت به فصارت هو.وهو ترجمة حية لحقيقة القرآن.وكذلك كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهكذا وصفته عائشة - رضي اللّه عنها - وهي تقول: « كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ » [1] ..وهكذا كان القرآن في خاطره في مواجهة الحياة.وكان هو القرآن يواجه الحياة!

وفوق نعمة الذكر والنور والهداية والصلاح،وعد بنعيم الجنات خالدين فيها أبدا.وتذكير بأن هذا الرزق هو أحسن الرزق،فلا يقاس إليه رزق الأرض: «قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا» ..وهو الرازق في الدنيا والآخرة،ولكن رزقا خير من رزق،واختياره للأحسن هو الاختيار الحق الكريم.

وهكذا يلمس نقطة الرزق مرة أخرى،ويهون بهذه الإشارة من رزق الأرض،إلى جانب رزق الجنة.بعد ما وعد في المقاطع الأولى بسعة رزق الأرض أيضا ..

(1) - عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ،قَالَ:أَتَيْتُ عَائِشَةَ،فَقُلْتُ:يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَتْ:كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ،أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ،قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ،قُلْتُ:فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ،قَالَتْ:لاَ تَفْعَلْ،أَمَا تَقْرَأُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ} حَسَنَةٌ ؟ فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ.مسند أحمد (عالم الكتب) [8 /144] (24601) 25108 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت