وطلب نزول الملائكة يتكرر في هذه السورة وفي غيرها،مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع غيره من الرسل قبله:وهو كما قلنا ظاهرة من ظواهر الجهل بقيمة هذا الكائن الإنساني الذي كرمه اللّه،فجعل النبوة في جنسه،ممثلة في أفراده المختارين.
والرد على ذلك التهكم وتلك الوقاحة وهذا الجهل هو ذكر القاعدة التي تشهد بها مصارع السالفين:أن الملائكة لا تنزل على الرسول إلا لهلاك المكذبين من قومه حين ينتهي الأجل المعلوم وعندئذ فلا إمهال ولا تأجيل: «ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ،وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ» ..فهل هو ما يريدون وما يتطلبون؟!
ثم يردهم السياق إلى الهدى والتدبر ..إن اللّه لا ينزل الملائكة إلا بالحق،ليحقوه وينفذوه.والحق عند التكذيب هو الهلاك.فهم يستحقونه فيحق عليهم.فهو حق تنزل به الملائكة لتنفذه بلا تأخير.وقد أراد اللّه لهم خيرا مما يريدون بأنفسهم،فنزل لهم الذكر يتدبرونه ويهتدون به،وهو خير لهم من تنزيل الملائكة بالحق الأخير! لو كانوا يفقهون: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ،وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» ..
فخير لهم أن يقبلوا عليه.فهو باق محفوظ لا يندثر ولا يتبدل.ولا يلتبس بالباطل ولا يمسه التحريف وهو يقودهم إلى الحق برعاية اللّه وحفظه،إن كانوا يريدون الحق،وإن كانوا يطلبون الملائكة للتثبت ..إن اللّه لا يريد أن ينزل عليهم الملائكة،لأنه أراد بهم الخير فنزل لهم الذكر المحفوظ،لا ملائكة الهلاك والتدمير.
وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد اللّه الحق بحفظ هذا الذكر فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب - إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة - ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونا محفوظا لا تتبدل فيه كلمة ،ولا تحرف فيه جملة،لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر،أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل،تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل،وتصونه من العبث والتحريف.
لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق،وكثر فيه النزاع،وطمت فيه الفتن،وتماوجت فيه الأحداث.وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن وفي حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من اليهود - خاصة - ثم من «القوميين» دعاة «القومية» الذين تسمّوا بالشعوبيين! ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ما احتاج إلى جهد عشرات العلماء الأتقياء الأذكياء عشرات من السنين لتحرير سنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وغربلتها وتنقيتها من كل دخيل عليها من كيد أولئك الكائدين لهذا الدين.