فهرس الكتاب

الصفحة 4803 من 4997

ندرك الآن كيف يكون! إنما نفيد من هذه الأوصاف أن يستحضر تصورنا أقصى ما يطيقه من صور اللذاذة والحلاوة والمتاع.وهو ما نملك تذوقه ما دمنا هنا.حتى نعرف حقيقته هناك.حين يكرمنا اللّه بفضله ورضاه. [1]

الدرس الثاني:17 -20 دعوة للتأمل في آيات الله في الكون

وتنتهي هذه الجولة في العالم الآخر،فيؤوب منها إلى هذا الوجود الظاهر.الحاضر.الموحي بقدرة القادر وتدبير المدبر،وتميز الصنعة،وتفرد الطابع.الدال على أن وراء التدبير والتقدير أمرا بعد هذه الحياة،وشأنا غير شأن الأرض.وخاتمة غير خاتمة الموت: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ،وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ،وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ.وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟» ..

وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار،أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة.كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله.حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال (ممثلة لسائر الحيوان) على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة.

إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان ..السماء والأرض والجبال والحيوان ..وأيا كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه.موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها.

والمعجزة كامنة في كل منها.وصنعة الخالق فيها معلمة لا نظير لها.وهي وحدها كافية لأن توحي بحقيقة العقيدة الأولى.ومن ثم يوجه القرآن الناس كافة إليها: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟» ..والإبل حيوان العربي الأول.عليها يسافر ويحمل.ومنها يشرب ويأكل.ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل.فهي مورده الأول للحياة.ثم إن لها خصائص تفردها من بين الحيوان.فهي على قوتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقودها الصغير فتنقاد،وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التكاليف.مرعاها ميسر،وكلفتها ضئيلة،وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال ..ثم إن لهيئتها مزية في تناسق المشهد الطبيعي المعروض كما سيجيء ..

لهذا كله يوجه القرآن أنظار المخاطبين إلى تدبر خلق الإبل وهي بين أيديهم،لا تحتاج منهم إلى نقلة ولا علم جديد .. «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟» ..أفلا ينظرون إلى خلقتها وتكوينها؟ ثم يتدبرون:كيف خلقت على هذا النحو المناسب لوظيفتها،المحقق لغاية خلقها،المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا! إنهم لم يخلقوها.وهي لم تخلق نفسها،فلا يبقى إلا أن تكون من إبداع المبدع المتفرد بصنعته،التي تدل عليه،وتقطع بوجوده كما تشي بتدبيره وتقديره.

(1) - انظر كتابي صفة الجنة في القرآن والسنة وصفة النار في القرآن والسنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت