فهرس الكتاب
«وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟» ..وتوجيه القلب إلى السماء يتكرر في القرآن.وأولى الناس بأن يتوجهوا إلى السماء هم سكان الصحراء.حيث للسماء طعم ومذاق،وإيقاع وإيحاء،كأنما ليست السماء إلا هناك في الصحراء! السماء بنهارها الواضح الباهر الجاهر.والسماء بأصيلها الفاتن الرائق الساحر.والسماء بغروبها البديع الفريد الموحي.والسماء بليلها المترامي ونجومها المتلألئة وحديثها الفاتر.والسماء بشروقها الجميل الحي السافر.هذه السماء.في الصحراء ..أفلا ينظرون إليها؟ أفلا ينظرون إليها كيف رفعت؟ من ذا رفعها بلا عمد؟
ونثر فيها النجوم بلا عدد؟ وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال وهذا الإيحاء؟ إنهم لم يرفعوها وهي لم ترفع نفسها.فلا بد لها من رافع ولا بد لها من مبدع.لا يحتاج الأمر إلى علم ولا إلى كد ذهن.فالنظرة الواعية وحدها تكفي ...
« وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ؟» ..والجبال عند العربي - بصفة خاصة - ملجأ وملاذ،وأنيس وصاحب،ومشهدها يوحي إلى النفس الإنسانية - بصفة عامة - جلالا واستهوالا.حيث يتضاءل الإنسان إلى جوارها ويستكين،ويخشع للجلال السامق الرزين.والنفس في أحضان الجبل تتجه بطبيعتها إلى اللّه وتشعر أنها إليه أقرب،وتبعد عن واغش الأرض وضجيجها وحقاراتها الصغيرة.ولم يكن عبثا ولا مصادفة أن يتحنث محمد - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء في جبل ثور.وأن يتجه إلى الجبل من يريدون النجوة بأرواحهم فترات من الزمان! والجبال هنا «كَيْفَ نُصِبَتْ» لأن هذه اللمحة تتفق من الناحية التصويرية مع طبيعة المشهد كما سيجيء.
«وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟» ..والأرض مسطوحة أمام النظر،ممهدة للحياة والسير والعمل،والناس لم يسطحوها كذلك.فقد سطحت قبل أن يكونوا هم ..أفلا ينظرون إليها ويتدبرون ما وراءها،ويسألون:من سطحها ومهدها هكذا للحياة تمهيدا؟
إن هذه المشاهد لتوحي إلى القلب شيئا.بمجرد النظر الواعي والتأمل الصاحي.وهذا القدر يكفي لاستجاشة الوجدان واستحياء القلب.وتحرك الروح نحو الخالق المبدع لهذه الخلائق.
ونقف وقفة قصيرة أمام جمال التناسق التصويري لمجموعة المشهد الكوني لنرى كيف يخاطب القرآن الوجدان الديني بلغة الجمال الفني،وكيف يعتنقان في حس المؤمن الشاعر بجمال الوجود ..
إن المشهد الكلي يضم مشهد السماء المرفوعة والأرض المبسوطة.وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال «منصوبة» السنان لا راسية ولا ملقاة،وتبرز الجمال منصوبة السنام ..خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة.ولكنها لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات! على طريقة القرآن في عرض المشاهد،وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال [1] .
(1) - فصل التناسق الفني في كتاب:التصوير الفني في القرآن. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )