دورة من دورات الأرض الدائبة التي لا يصيبها الكلال.وهي تمر بالبشر وهم غافلون عما فيها من دلالة على تدبير اللّه،الذي لا يغفل لحظة ولا ينام.
ثم ظاهرة الرياح المبشرة بالمطر وما يبثه من حياء: «وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ،وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا،لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا،وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا» ..
والحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة،وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض.ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه،ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة اللّه الممثلة فيه إدراكا صحيحا كاملا.وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه،وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب،ويستبشرون بها ويحسون فيها رحمة اللّه - إن كانوا ممن شرح اللّه صدورهم للإيمان.
والتعبير يبرز معنى الطهارة والتطهير: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا» وهو بصدد ما في الماء من حياة.
« لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا،وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا» فيلقي على الحياة ظلا خاصا.ظل الطهارة.فاللّه سبحانه أراد الحياة طاهرة نقية وهو يغسل وجه الأرض بالماء الطهور الذي ينشىء الحياة في الموات ويسقي الأناسي والأنعام.
الدرس الرابع:50 - 52 مهمة القرآن وجهاد الكفار به
وعند هذا المقطع من استعراض المشاهد الكونية يلتفت إلى القرآن النازل من السماء كذلك لتطهير القلوب والأرواح وكيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للأرواح: «وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ [1] بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا،فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا،وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا.فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا» ..
«وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا» ..فعرضناه عليهم في صور شتى،وأساليب متعددة،ولفتات متنوعة وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم،وأرواحهم وأذهانهم ودخلنا عليهم به من كل باب من أبواب نفوسهم،وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم .. «لِيَذَّكَّرُوا» ..فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر.والحقيقة التي يحاول القرآن ردهم إليها مركوزة في فطرتهم،أنساهم إياها الهوى الذي اتخذوا منه إلها .. «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا» .
(1) - بعض المفسرين يرجع الضمير في «صرفناه» إلى الماء بوصفه أقرب مذكور في العبارة. ولأن القرآن لم يذكر في هذا المقام. ولكننا نرجح أن الضمير عائد على القرآن،لأنه لا شك في أن قوله: «وجاهدهم به» يعنى القرآن فهو لا يجاهدهم بالماء. والذي يجعل الضمير الثاني راجعا إلى القرآن يجعل الضمير الأول كذلك. إنما هي التفاتة من التفاتات القرآن الكثيرة بمناسبة مضمرة ملحوظة. هذه المناسبة هنا هي إنزال الماء الطهور المحيي،التي ترد الذهن إلى إنزال القرآن المطهر المحيي الذي تدور السورة كلها عليه. (السيد رحمه الله )