هذه الفقرة بالفصل في أمرهم،وتركهم لوعيد اللّه الشديد: « وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ.مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ.حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ،وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ،وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ» ..
ومن تكون حجته باطلة مغلوبة عند ربه فلا حجة له ولا سلطان.ووراء الهزيمة والبطلانفي الأرض،الغضب والعذاب الشديد في الآخرة.وهو الجزاء المناسب على اللجاج بالباطل بعد استجابة القلوب الخالصة والجدل المغرض بعد وضوح الحق الصريح.
ثم يبدأ جولة جديدة مع الحقيقة الأولى: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ.وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ.يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها،وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ،أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ.اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ.مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ،وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها،وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» ..
فاللّه أنزل الكتاب بالحق وأنزل العدل وجعله حكما فيما يختلف فيه أصحاب العقائد السالفة،وفيما تختلف فيه آراء الناس وأهواؤهم وأقام شرائعه على العدل في الحكم.العدل الدقيق كأنه الميزان توزن به القيم،وتوزن به الحقوق،وتوزن به الأعمال والتصرفات.
وينتقل من هذه الحقيقة.حقيقة الكتاب المنزل بالحق والعدل.إلى ذكر الساعة.والمناسبة بين هذا وهذه حاضرة،فالساعة هي موعد الحكم العدل والقول الفصل.والساعة غيب.فمن ذا يدري إن كانت على وشك: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ؟» ..
والناس عنها غافلون،وهي منهم قريب،وعندها يكون الحساب القائم على الحق والعدل،الذي لا يهمل فيه شيء ولا يضيع ..
ويصور موقف المؤمنين من الساعة وموقف غير المؤمنين: «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها،وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ» ..
والذين لا يؤمنون بها لا تحس قلوبهم هولها،ولا تقدر ما ينتظرهم فيها فلا عجب يستعجلون بها مستهترين.لأنهم محجوبون لا يدركون.وأما الذين آمنوا فهم مستيقنون منها،ومن ثم هم يشفقون ويخافون،وينتظرونها بوجل وخشية،وهم يعرفون ما هي حين تكون.وإنها لحق.وإنهم ليعلمون أنها الحق.وبينهم وبين الحق صلة فهم يعرفون.
«أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ» ..فقد أوغلوا في الضلال وأبعدوا،فعسير أن يعودوا بعد الضلال البعيد ..
وينتقل من الحديث عن الآخرة والإشفاق منها أو الاستهتار بها،إلى الحديث عن الرزق الذي يتفضل اللّه به على عباده: «اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» ..